بيروت ـ «القدس العربي»: بعد 6 أيام على إحيائه ذكرى اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير غادر الرئيس سعد الحريري بيروت إلى مقر اقامته في الإمارات العربية المتحدة بعدما أجرى لقاءات في بيت الوسط مع عدد من السفراء ومنسقيات «تيار المستقبل» من دون أن يعلن بشكل حاسم إنهاء اعتكافه السياسي، علماً أنه لمح إلى مشاركة تياره في الانتخابات النيابية المقبلة، في ظل معلومات عن إمكان ترشح عمته نائبة رئيس «تيار المستقبل» النائبة السابقة بهية الحريري في دائرة صيدا – جزين.
وكان لافتاً أن الحريري لم يقم بزيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في قصر بعبدا ولا رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي بل اكتفى بزيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة التي توجّه إليها في سيارة رئيس المجلس إثر مشاركتهما معاً في إفطار دار الفتوى الذي سجّل حضوراً وطنياً لافتاً تقدمه الرؤساء الثلاثة والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل وغاب عنه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع لدواعٍ أمنية.
أما السفير السعودي وليد البخاري الذي شارك في الإفطار فتفادى مصافحة الرئيس سعد الحريري ما يؤشر إلى استمرار الفيتو السعودي، ولاسيما أن البخاري لم يتواصل مع بيت الوسط طيلة فترة وجود الحريري في بيروت.
كذلك، لم تسجل مصافحة حارة بين سعد الحريري ونواف سلام بل مصافحة باردة خلافاً للعلاقة بين الحريري وبري.
ووفقاً لهذه الوقائع والمعطيات، تؤشر مغادرة الحريري إلى الإمارات إلى عودة غير قريبة للعمل السياسي في انتظار استطلاع الأرضية الشعبية في حال إجراء الانتخابات وحصول متغيرات سياسية.
وخلال الإفطار، ألقى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان كلمة رحّب فيها بالحضور في دار الفتوى، واصفًا إياها بـ«البيت الإيماني الذي يرفع لواء الوحدة الوطنية والعيش الواحد»، مشددًا على «رمزية شهر رمضان كمساحة للإيمان والمحبة والأخوّة الإنسانية والسلام».
وأكد «أن التمسك باتفاق الطائف يُشكل تمسكًا بوحدة لبنان وهويته العربية»، معتبرًا أن «أي مشروع إنقاذي لا يمكن أن يقوم خارج هذا الإطار»، مشيرًا إلى «الدور الذي أدته المملكة العربية السعودية في رعاية الاتفاق وترسيخ أسس الشراكة والتوازن بين مكوّنات الوطن».
شارك في إفطار دار الفتوى… والسفير السعودي تفادى مصافحته.
وقال «نلتقي اليوم حول مائدة الرحمن، في الوقْت الذي لا يزال إخوان لنا يتضوّرُون جُوعاً وعطشاً، تحت القصْف الإسرائيلي المتواصل لغزة، والضفة الغربية في فلسطين المُحتلة.
إن مثل الإسرائيلي كمثل الذّئب الذي إن يفْقد مخالبه، لا يفْقد طبيعته».
وتوجه المفتي دريان إلى رئيس الجمهورية بالقول «لقد بدأْتم عهدكم يا فخامة الرئيس بخطاب القسم، الذي وضع كل المهام والمسؤوليات الوطنية على طاولة الإعلان والإنجاز معاً.
وهو الأمْر الذي سارعتْ حكومة الإصلاح والإنقاذ إلى تقْريره، وتحويله إلى إجراءات، وإلى مشروعات قوانين».
واضاف «يُميز فُقهاؤنا بين الاخْتلاف والخلاف.
فالاخْتلاف مُمكن وصحي، وقد يكون ضرُورياً لاستكْشاف سبل الحلول، فهي مُتعددةُ الأوجُه، وفي النُّظُم الديمُقراطية يكونُ الاختلاف النزيه سبيلاً للاسْتنارة والتسهيل.
أما الخلافُ فكثيراً ما يكُونُ افْتراقاً أو مُؤدياً لانْقسام سياسي، يُصبح مع التمادي في التنافر غير سياسي أبدا.
والذي أُريدُ الوصول إليه، أن ظروفنا يصعب فيها الاخْتلاف فكيف بالخلاف؟ أعرف أنكمْ في الإرادة والقرار، لا تقْصدُون إلى الخلاف أو تُريدُونه، وتلتمسون دائماً الحُلول الوسط التي تنْضم فيها الحكْمة إلى السياسة.
لكنكم وللمرة الأُولى من زمان، تمْتلكون هذا المقياس الأعلى، مقْياس ثقافة الدّولة وقرارها وعزيمتها، وهو الْمقْياس الذي غاب كثيراً من قبْل، فتعدد السلاح، وتعدد القرار الاقْتصادي، وتعددت السياسات تجاه الجوار والخارج».
وأشار دريان إلى «أن الاعتداء على المُسلم لاخْتلاف مذْهبه حرام؛ والاعْتداء على المسيحي لاختلاف دينه حرام؛ والاعتداء على الإنسان لاخْتلاف عرقه أو لونه حرام».
وختم «بالدعاء للبنان بالخروج من أزماته، وبأن يُوفّق قادته في الارتقاء بالبلاد إلى مستوى رسالتها في الأخوة الإنسانية»، سائلاالله «أن يحفظ لبنان وشعبه».
يذكر أن الحريري وصل إلى بيروت لإحياء ذكرى شهادة والده رفيق الحريري، ولم يشف غليل مناصريه ولا غليل اللبنانيين حول قراره بالعودة عن تعليق عمله السياسي والمشاركة في الاستحقاقات الوطنية، وفي طليعتها الانتخابات النيابية المقبلة في 10 أيار/مايو المقبل، بل اكتفى بالقول أمام الجماهير المحتشدة في ساحة الشهداء، إحياء لذكرى اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري: «الآن كل البلد لديه سؤالان: هل ستجري الانتخابات؟ وماذا سيفعل المستقبل؟ وأنا لدي جواب واحد: قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل! »، مضيفاً: «لكني أعدكم، متى حصلت الانتخابات، أعدكم: سيسمعون أصواتنا، وسيعدّون أصواتنا! ».
وتوجّه الحريري إلى المحتشدين من «تيار المستقبل» في محيط مسجد محمد الأمين في وسط بيروت، بالقول: «ما شاء الله… ما شاء الله… ما شاء الله… لستم قلة والله! بعد 21 سنة، والله لستم قلة! بعد كل الشائعات، وكل التهويل، وكل التلفيق، نعم والله لستم قلة! !! وتحت المطر أيضاً… لم تكونوا مرة قلة، ولن تكونوا إلا كثراً، لأننا نحن والحق… أكثرية! ».
وقال متأثراً وباكياً: «أنتم خط الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذين تقولون بوجودكم كل سنة في هذه الساحة، وبكل ساعة وبكل ساحة، إن الرئيس الشهيد حي فيكم، وكل يوم وكل سنة تعلنون التمسك بنهجه، وأنكم تقولون وتفعلون، وتقولون بأعلى صوت: الاعتدال ليس تردداً بل شجاعة، والصبر ليس ضعفاً بل إيمان بهذه المدرسة الوطنية، وأن مشروع رفيق الحريري، أنتم الذين أثبتم أنه ليس حلماً ينتهي مع اغتياله، لأنكم أنتم حلم رفيق الحريري للمستقبل، أنتم… المستقبل! وإن شاء الله لا نفتدي أنفسنا إلا من أجل هذا البلد».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك