دعتني الدكتورة هالة رمضان، مدير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، لحضور ندوة كان موضوعها: جرائم الثأر في صعيد مصر.
والعنوان الفرعي لها: آليات التدخل وسبل المواجهة.
وقد ذهبت لحضور الندوة لأهمية موضوعها، ولأنني تعودت من المركز الجدية في تناول قضاياه والاهتمام بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والقانونية والإعلامية المرتبطة بالموضوع.
ولا يغفل المستجدات التي طرأت على القضية ومدى تأثير التغيرات المحلية والعالمية.
والدراسة التي ذهبت متشوقاً لمعرفة نتائجها جمعت بين التحليلين الكمي والكيفي، من خلال مقابلة أطراف الخصومات الثأرية في مجتمع الدراسة.
والاستماع للنُخب من سكان القرى محل الدراسة، من العُمد والمشايخ ورجال الأزهر ورجال الكنيسة ورجال التربية والتعليم والرائدات الريفيات والعاملين بمراكز الشباب وقصور الثقافة ورجال المصالحات العرفية وأئمة المساجد.
واستمع الباحثون إلى 1219 حالة من الجمهور من سن 18 وأكثر، موزعين على 14 قرية بمحافظات المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا، وثبت من الدراسة أن أهم أسباب زيادة جرائم الثأر في صعيد مصر هي النزاع على الأراضي والممتلكات ومشاجرات أدت إلى القتل.
وإثارة بعض الفتن بين العائلات المحلية.
وذلك بواسطة أطراف خارجية وخلافات أسرية وحوادث يومية منها الانتقام للعِرض وجرائم الثأر الذي يُعتبر من أقوى الأعراف الاجتماعية تأثيراً في مجتمع صعيد مصر، حيث يحتفظ بسلطته رغم مرور الزمن.
ومهما بلغت شدة العقوبات القانونية، وأن الثأر هناك يمثل موروثاً ثقافياً راسخاً.
مما يجعل تغييره صعباً دون تكامل الجهود المجتمعية لمواجهته.
وأيضاً تُسهم الطبيعة الجغرافية الجبلية في صعيد مصر في انتشار جرائم الثأر، وذلك بسبب أوقات الفراغ الطويلة التي يعاني منها غالبية الأفراد في صعيد مصر.
وقد ثبت من الدراسة أن أكثر من نصف العينة التي أُخِذت آراؤها كانت تُفضِّل اللجوء إلى لجان المصالحات العُرفية.
التي أثبتت فاعليتها في تحقيق الأمن الاجتماعي.
وقد أدت النزاعات الثأرية إلى انخفاض الإنتاج الزراعي نتيجة عزوف العديد من العائلات عن العمل في أراضيهم الزراعية، خوفاً من التعرض للخطر أثناء وجودهم في الحقول.
وقد أدت تهديدات الثأر إلى اضطرار بعض الأسر إلى الهجرة إلى مدن أخرى.
مما أدى إلى خسارة المجتمعات المحلية لكوادر بشرية مهمة، كان يُمكن أن تُسهم في تنمية تلك المناطق.
ولأن الحالات التي تم بحثها أشارت إلى التليفزيون باعتباره وسيلة مهمة يليها الراديو ثم جاءت الصحف في المرتبة الأخيرة.
فقد ثبت أن هناك عدداً من النقاط السلبية في الأعمال الدرامية التي تناولت قضية الثأر وتقديم القاتل في صورة البطل أحياناً، والقيام بعرض بعض الخطط والأفكار التي يمكن أن تدفع البعض للتقليد والمحاكاة.
ولهذا تركز الورقة المهمة على ضرورة تحقيق العدالة الناجزة في قضايا القتل وسرعة الفصل في القضايا المدنية التي تتعرض للنزاع على الحدود وملكية الأراضي، مع العمل على وضع ضوابط إجرائية سديدة لتمكين الأفراد من الطعن والاستئناف على لجان المصالحات العرفية.
ومن المؤكد أن ثقافة الثأر تحظى بقدرٍ من القبول الاجتماعي من بعض أفراد المجتمع المحلي، وتنتقل عبر الأجيال ويتعذر فهمها بمعزل عن البناء الاجتماعي الذي تُمارس في إطاره.
هذا على الرغم مما شاهدته العقود الأخيرة من التحولات والثورة التكنولوجية وتقدم وسائل المواصلات والاتصال وتنامي تيارات الهجرة الداخلية والخارجية.
إنها دراسة مهمة لهذا المركز الذي يعمل في هذه القضايا منذ إنشائه عام 1955 وحتى الآن.
إن الحلول التي تقدمها أوراق هذا المركز المهم كثيرة ومتنوعة، ويكفي أن نضعها في الاعتبار عند تناول مثل هذه القضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك