في 1988، تحتشد مظاهرة في ساحة عامة في ليوبليانا، دفاعا عن معتقلين.
في الأثناء يدوس شاب على حذاء فتاة، وتنشأ علاقة بينهما، وهي علاقة مضطربة تطابق اضطراب الأحداث في سلوفينيا ذلك العام، لكن هذا الحدث البسيط سوف يجعل منه أندريه بلاتنيك (1963) عتبة في رواية «ساحة التحرير»، يروي فيها تحولات الحب إلى جانب تحولات السياسة وانعكاساتها على الناس، يزاوج بين التخييل والتخييل الذاتي، من غير أن يُبالي بالأبطال ورموز المشهد، بل يحول النظر إلى الناس العاديين وكيف عاشوا الانقلاب الذي عرفته بلاده، والذي قادها إلى الاستقلال.
وقد صدرت هذه الرواية أخيرا بالعربية (دار المرايا)، من ترجمة محمد رمضان الملوي.
في هذا الحوار، يتحدث المؤلف عن أجواء الرواية وعلاقته بالكتابة.
*لماذا اخترت عام 1988 زمنا لأحداث الرواية؟ ما دلالة هذا العام، وأين كنتَ آنذاك؟ـ بدأ النضال العلني من أجل استقلال سلوفينيا عام 1988، عندما اعتقل الجيش اليوغوسلافي أربعة أشخاص بتهمة «إفشاء أسرار عسكرية».
وكان من بينهم يانيز يانشا، الذي يُعد اليوم ـ ومنذ ثلاثين عاما ـ الشخصية الأبرز في السياسة اليمينية السلوفينية، وقد تولى رئاسة الوزراء ثلاث مرات.
وأثارت تلك الاعتقالات موجة واسعة من الاحتجاجات، قادت في نهاية المطاف إلى قيام نظام تعددي حزبي، بعد أن كان هذا الأمر مجرد فكرة تتداولها الألسنة همسا.
في البداية، أردتُ أن أكتب رواية عن حرب الأيام العشرة بين سلوفينيا والجيش اليوغوسلافي، لكنني سرعان ما أدركت أن عليّ العودة إلى عام 1988 لأُبين من أين استمدت حركة الاستقلال قوتها.
عندما اندلعت الاحتجاجات كنتُ هناك، لكنني لم أكن في الصفوف الأمامية.
وقد منحني ذلك منظورا فريدا للرواية.
فقد صدرت أعمال كثيرة عن استقلال سلوفينيا، غير أن معظم تلك الكتب جاءت من الصفوف الأولى: تقارير سياسية وتاريخية، وتحليلات لقادة المرحلة الجدد.
أما أنا فأردتُ أن أستثمر شكل الرواية لأُظهر الموضوع من مستوى الشارع، من زاوية الناس العاديين.
*لماذا العودة إلى هذا الحدث في الرواية؟ هل هو الحنين؟ـ من منظور اليوم، تبدو تلك المرحلة واحدة من أهم الفترات في تاريخ سلوفينيا، ومع ذلك لم تُكتب عنها أعمال روائية تُذكر، ربما لأن أهميتها نفسها جعلت الكتّاب يترددون في الاقتراب منها.
كثيرون ممن لم يعيشوا الحرب العالمية الثانية يكتبون عنها روايات، لكنهم لا يكتبون عن الزمن الذي اختبروه بأنفسهم.
شعرتُ بأن هناك فجوة في الأدب السلوفيني المعاصر، وهذا هو دافعي.
*أين يقع الحد الفاصل بين الحب والسياسة في رواية «ساحة التحرير»؟ـ هناك مقولة مفادها «الشخصي هو سياسي»، وهي نقطة انطلاق للرواية.
كما استوقفني قول إدوارد كاردِل الزعيم البارز في يوغوسلافيا سابقا، وأبرز شخصية سلوفينية في هرم السلطة آنذاك، حين قال: «لا يمكن للنظام السياسي أو للحزب أن يصنعا السعادة، بل على الفرد أن يصنع سعادته بنفسه«.
لكن الواقع كشف تدريجيا أن النظام، وإن لم يكن قادرا على منح السعادة، فهو قادر على سلبها.
من هنا، يبدو الخط الفاصل رفيعا للغاية؛ فالسياسة تمتلك القدرة على التسلل إلى الحب، بل على انتزاعه في أسوأ الأحوال.
*الحب عادة شأن حميمي، ومع ذلك تُدخله إلى المجال العام.
هل ينبغي أن يكون الحب حدثا علنيا؟ـ الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية تعيشان علاقة غريبة، ولست متأكدا إن كان يمكن تسميتها حبا.
كما أنهما تمثلان طبقتين مختلفتين في مجتمع اشتراكي يُفترض أنه بلا طبقات.
وعندما تنفلت الأمور، كما يحدث في الرواية، يصبح كل ما يُعد حميميا أكثر عرضة للعلن.
غير أن حميميتنا اليوم مهددة كذلك بإلحاح الحضور الدائم: النشر المستمر على وسائل التواصل الاجتماعي، والتمثيل الدائم للشخصيات العامة في الإعلام.
أؤمن بأن كل رجل وامرأة بحاجة إلى مساحة خاصة بهما، إلى مجال نقي من الخصوصية غير المنتهكة.
تلك المساحة تتيح التأمل والمراجعة، وهي شيء بالغ الأهمية ينبغي الدفاع عنه.
*نلاحظ في الرواية عناية في كتابة الجملة.
كيف تخطط لكتابة رواية؟ـ أنا معروف أكثر، ومترجم في بلدان عديدة، ككاتب قصة قصيرة؛ مقابل خمس روايات فقط.
ربما لأنني أؤمن بأن الرواية تحتاج، إلى جانب الموضوع الجيد والحكاية المتينة، إلى مقاربة شكلية جديدة ومنعشة، تُكتب بطريقة مختلفة، لكن بما يلائم الموضوع الذي تتناوله.
في هذه الرواية تحديدا، كانت المادة الخام ذكريات شخصية؛ كثير من المشاهد حدثت فعلا في حياتي.
وكان عليّ أن أرتقي بها إلى مستوى التخييل، ما قاد أحيانا إلى كتابة تقترب من الطابع التأملي، أو المقالاتي في بعض الفصول.
لقد درست الكتابة الإبداعية لأكثر من عشرين عاما، وأؤمن بأن على الكاتب أن يختار كلماته بعناية.
يجب أن تحمل كل جملة الحكاية وأن تخلق الجو في آنٍ واحد.
وهذا يعني عملا شاقا بطبيعة الحال، لكنه عمل ممتع ومجزٍ روحيا.
*ما الذي تغير في سلوفينيا بين زمن الرواية واليوم؟ـ عندما انفصل البلد عن الاشتراكية ودخل الرأسمالية، سادت قناعة بين الناس بأن السوق سيحل جميع المشاكل.
لكن خيبة أمل تلت ذلك.
لم تُحل المشاكل القديمة فحسب، بل ظهرت أخرى جديدة.
ومع ذلك، قلما تجد سلوفينيا يندم على العيش في دولة مستقلة، وفي نظام اقتصادي أكثر تنافسية.
*تبدو النساء في الرواية أكثر حضورا وأعلى صوتا من الرجال.
هل يعكس ذلك الواقع؟ـ كان قرارا واعيا أن أقدم شخصيتين نسائيتين قويتين: أم البطل وحبيبته.
فالأمهات يُعترف بهن في المجتمع السلوفيني كركائز قوية للأسرة، ولم يثر ذلك استغرابا.
لكنني تلقيت بعض الانتقادات، في ردود خاصة على الرواية، قيل فيها إن الشخصية النسائية الشابة قاسية أكثر مما ينبغي وإن «النساء لسن هكذا في الواقع».
وأحيانا أجيب باقتضاب: «بعضهن كذلك«.
من جهة أخرى، رأى بعض القراء في هذه الشخصية تعبيرا عن الموقع الثقافي السلوفيني بين البلقان ذي الطابع الذكوري الواضح، وأوروبا الغربية الأكثر ميلا إلى التأنيث.
كما أن ذلك ساعد في جعل الشخصية الذكورية أكثر ضبابية وترددا، أقرب إلى تجسيد «الإنسان العادي.
«.
*تلعب الموسيقى والفنون دورا في الرواية.
ما علاقتك ببقية أشكال الفن؟ـ في إحدى المقابلات سُئلت: «أي منظر يلهمك أكثر؟ » فأجبت: «النظر إلى رفوف كتبي وأسطواناتي وأقراصي».
رغم أنني أسافر كثيرا، أشعر بواقعيتي الأكبر حين أكون محاطا بالكتب والموسيقى، وهذا ينعكس في كتابتي.
أؤمن بأننا لسنا من لحم ودم فحسب، بل نحن أيضا حصيلة ماضينا، بما في ذلك الثقافة التي شكلت إنسانيتنا.
*ثمة أوجه شبه بين تاريخ سلوفينيا وتاريخ بعض البلدان العربية، لاسيما في ثمانينيات القرن الماضي.
كيف تنظر إلى هذا التاريخ المشترك؟ـ أول ما يخطر ببالي هو أننا نتشارك عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ونمو حركات دينية وتأثير القمع، بل وحتى الحروب.
غير أن ثمة أمرا يُغفل كثيرا، وهو أننا نتشارك أيضا تجربة حركة عدم الانحياز، التي سعت إلى إيجاد طريق ثالث بين المعسكرين الغربي والشرقي، ونجحت في بناء روابط قوية عديدة.
عندما شاركت في قراءات أدبية في الهند في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال لي كثيرون: «سلوفينيا؟ يوغوسلافيا سابقا! حركة عدم الانحياز! تيتو، ناصر، نهرو! ».
لا تزال في هذا العالم أماكن لم ينس فيها الناس إمكانية تشييد طريق ثالثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك