يعود المسحراتي في كل رمضان كطقس اعتاد عليه الناس، في الشهر الفضيل فهو ليس مجرد مهنة موسمية، لكنه يمثل شخصية رمضانية عابرة للأجيال.
المسحراتي صاحب عبارة" اصحى يا نايم.
وحد الدايم"، هو شاهد على تحولات المدن، وعلى تغير علاقتنا بالزمن، وعلى انتقال السحور من طقس جماعي يعلن في الشارع إلى شأن فردي تحدده شاشة صغيرة.
تعود جذور المسحراتي، بحسب ما يورده مؤرخون عن الحياة الاجتماعية في العصور الإسلامية الأولى، إلى عادة إيقاظ الناس للسحور في المدن الكبرى.
وتنسب بعض الروايات إلى والي مصر في العصر العباسي، عتبة بن إسحاق، الذي كان يجوب شوارع الفسطاط ليلًا مناديًا الناس للسحور.
ومع مرور الزمن، تحولت العادة إلى مهنة موسمية في عدد من الحواضر العربية.
في القاهرة ودمشق والقدس وحلب، كان للمسحراتي مسار ثابت في الحي، وعبارات محفوظة، وأحيانًا دفترًا يسجل فيه أسماء الأطفال الذين يود أهلهم سماع أسمائهم في النداء الليلي.
وقد تناولت دراسات في التراث الشعبي المصري والشامي شخصية المسحراتي بوصفها جزءًا من البنية الاجتماعية للمدينة التقليدية، لا مجرد وظيفة مرتبطة بالشهر الكريم، إذ كان حضوره يعكس ترابط الحي ومعرفة أفراده بعضهم ببعض.
في كثير من الأحياء القديمة، كان الأطفال ينتظرون مرور المسحراتي، لا ليستيقظوا، بل ليروا الطقس ذاته يتكرر كل ليلة.
صوته كان علامة على أن الليل لم ينته بعد، وأن للسحور وقتًا، ولليوم التالي بداية مختلفة.
ومع انتشار الكهرباء ثم الإذاعة والتلفزيون، لم يختف المسحراتي فورًا.
ظل موجودًا، حتى بعدما صار الناس يعرفون المواقيت بدقة.
وجوده لم يعد ضرورة عملية، بل تقليدًا اجتماعيًا.
في بعض المدن العربية اليوم، تحافظ البلديات على حضوره في الساحات التاريخية بوصفه عنصرًا تراثيًا، بينما يكاد يغيب في الأحياء الحديثة حيث استبدل صوته بإشعارات الهاتف.
حين يمر المسحراتي في حي حديث، قد يبدو صوته غريبًا وسط ضجيج السيارات وأصوات الأجهزة.
لكن في أحياء أخرى، لا يزال وجوده يذكر الناس بأن رمضان ليس فقط ساعات صيام، بل إيقاعًا مختلفًا للحياة.
السؤال لم يعد: هل نحتاج المسحراتي لنستيقظ؟ بل: هل نحتاجه لنشعر أن الليل ما زال مشتركًا؟في زمن المنبه الفردي، كان المسحراتي إعلانًا جماعيًا للسحور.
صوته لم يكن يوقظ فردًا، بل حيًا كاملًا.
ومع كل طرق خفيف على طبله، كان يؤكد أن ثمة تقليدًا يمشي في الشوارع، ولو ببطء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك