شدد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على أن مطالب العسكريين والقطاع العام والمتقاعدين" محقة ومستحقة"، وأعلن أنهم بصدد إعداد مشروع جديد لإصلاح النظام الضريبي الحالي، مع تأكيد الاستمرار بتحسين الجباية الضريبية والجمركية، مؤكداً أن" الزيادات لم تفرض لتكريس نظام ضريبي غير عادل"، لكن" هذه إجراءات استثنائية لتكون جسراً يؤمن للدولة استقرارها، كما يؤّمن 800 مليون دولار بشكل فوري للقطاع العام لحين انتهاء الإصلاحات الهيكلية والمالية الشاملة".
وأطلّ سلام مساء اليوم الجمعة في مؤتمر صحافي، شرح فيه وقائع مقرّرات مجلس الوزراء التي اتُخذت يوم الاثنين الماضي، على صعيد إقرار زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%، بغرض إعطاء الموظفين بكافة أسلاكهم والمتعاقدين ستة رواتب إضافية مع كامل متمماتها للعسكريين، وتمويل، تالياً، رواتب القطاع العام التي تقارب كلفتها 800 مليون دولار.
وتطرق سلام في كلمته إلى الهجوم الذي تتعرّض له الحكومة منذ اتخاذها المقررات الضريبية، وبعض الطروحات التي حسب قوله" تنمّ منها عن شعبوية أو عدم معرفة"، وتوقف بالتفصيل عند المصادر البديلة التي طُلِب من مجلس الوزراء سلكها للتمويل، بدل فرض الزيادات، مثل مكافحة التهرّب الضريبي والجمركي وحلّ ملفات الأملاك البحرية والنهرية والكسارات والمقالع وترشيد القطاع العام وغيرها، مشدداً على أن" هذه الأفكار ليست جديدة، ويُعمَل عليها، لكن تتطلب وقتاً، بينما مطلوب تأمين 800 مليون دولار إضافية للخزينة بشكل فوري، لزيادة الرواتب".
وفي إطلالته التي أراد من خلالها" مصارحة الناس"، وفق تعبيره، قال سلام إن" الوضع المالي الذي ورثناه صعب جداً ومتراكم منذ سنوات، والأهم أن الثقة بين الدولة والناس تأثرت كثيراً بمحطات سابقة، عندما صرفت الدولة بلا موارد، وهذا أمر لا يجب أن يتكرّر ولن ندعه يتكرّر".
وذكّر سلام بأنه منذ تشكيل الحكومة، تم" اتخاذ قرار بعدم الانفاق من دون تأمين مصادر تمويل، كي لا تقع الدولة من جديد في دوامة العجز والدين، وبالتالي العودة لطباعة الليرة وضرب سعر الصرف وتالياً انهيار العملة الوطنية من جديد"، مشيراً إلى أنه" بعد دراسة الكلفة المتوقعة للزيادة، تبين أنها تكلف الخزينة حوالي 800 مليون دولار سنوياً"، وأضاف: " كي لا نقع بمشكلة شبيهة بمشكلة سلسلة الرتب والرواتب التي حصلت عام 2017 وندفع ثمنها اليوم، كان من واجبنا تأمين مصادر لتمويل هذه الزيادات، وبشكل فوري، فكان الخيار الصعب، بالزيادة على البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة".
وشدد سلام على أن الضريبة على القيمة المضافة التي رفعت بنسبة 1%، تستثني المواد الغذائية الأساسية والأدوية والنفقات الطبية والاستشفائية وأقساط الجامعات والمدارس والكتب والمازوت والغاز المنزلي وإيجارات البيوت السكنية، وسلعاً أساسية أخرى، ما يخفف من وطأتها على الفئات الشعبية، مؤكداً أنه بغية مكافحة محاولات بعض التجار والمحتكرين استغلال الوضع لزيادة الأسعار، يقوم مفتشو حماية المستهلك التابعين لوزارة الاقتصاد بتكثيف جولاتهم على الأفران ومحال السوبرماركت، على أن يحال المخالفون إلى القضاء، وتطرق أيضاً إلى مبادرة" سوا بالصيام" التي تشمل نحو 180 نقطة بيع، وترتكز على خفض 21 سلعة أساسية بنسبة تتراوح بين 15% و20%.
وأردف سلام: " صحيح أننا التزمنا في البيان الوزاري بنظام ضريبي أكثر عدلاً، ونعلم أن هناك خللاً في النظام الضريبي، لأن نسبة الضرائب المباشرة والتصاعدية التي تطاول الفئات الميسورة تشكل فقط 20% من اجمالي الضرائب، وهذا خلل يأتي نتيجة عقود من الخيارات المالية، وقد انعكست هذه السياسات بشكل غير عادل وغير متناسب على ذوي الدخل المتوسط والمحدود"، مشيراً إلى أن" حلّ هذه المشكلة يحتاج إلى تصحيح متكامل للنظام الضريبي".
وأعلن سلام في هذا الإطار أنهم بوصفهم حكومة يعملون على" وضع سياسة مالية شاملة لتصحيح الخلل البنيوي، والعمل على إصلاح النظام الضريبي وترشيد الإنفاق وإعادة هيكلة الدين باستراتيجية متكاملة لسنوات للأمام"، وقال إن" هذا المشروع سنقدّمه قريباً، ويتضمن إصلاح ضريبة الدخل والإعفاءات التي تطاول المقتدرين والرسوم التي تطاولهم"، مشيراً إلى أن" هذا المسار الوحيد للانتقال بشكل مدروس من اعتماد الدولة على الضرائب على الاستهلاك إلى نظام أكثر عدلاً وتصاعدياً يخفف العبء عن محدودي الدخل ويحمّل المقتدرين أكثر".
وتوقّف سلام بتفصيل عند الطروحات حول المصادر البديلة للتمويل، ومما قاله أن هناك نحو 119 ألفاً في الجيش والأسلاك الأمنية، وهؤلاء لا يمكن ترشيدهم، بل تجب زيادة عددهم مع انسحاب يونيفيل من الجنوب (أواخر عام 2026)، واستكمال الخطة الأمنية لحصر السلاح واستكمال ضبط الحدود مع سورية.
وأضاف: " هناك حوالي 50 ألف موظف في القطاع التربوي، صحيح هناك حالات تحتاج إلى إعادة تنظيم لزيادة فعاليتها، لكن بوجود الأزمة المتزايدة على المدارس الرسمية لا يمكن صرف أي منهم"، مشيراً أيضاً إلى أن هناك حوالي 120 ألف متقاعد خدموا الدولة بأصعب الظروف، وهؤلاء يستحقون عيش حياة كريمة مع عائلاتهم.
كما سأل سلام: " هناك 7 آلاف و169 موظفاً فقط من العاملين بالإدارة العامة، فكيف يمكن تقليص هذا العدد أو ترشيده؟ "، مضيفاً: " طبعاً لسنا راضين عن أداء الجميع، لكن هناك أكثر من مبادرة عبر الوزارات المختصة لمكننة وزيادة فعالية الإدارة".
وحول التهرب الضريبي والجمركي، قال سلام: " لقد زدنا إيرادات الدولة من الضرائب والجمارك والرسوم من 3.
89 مليارات دولار عام 2024 إلى 6 مليارات دولار عام 2025، أي بنسبة 54%"، مضيفاً: " في الجمارك مثلاً، زدنا التحصيل بنسبة 108% عام 2025، وعملنا على ضبط الحدود البرية، وشددنا الرقابة على المطار والمرافئ، وبفعل هذه الإجراءات، فإن الجباية ستزيد عام 2026، خصوصاً بعد تفعيل آلات السكانير على المنافذ الحدودية، وبدء العمل فيها للكشف على مستوعبات الاستيراد والتصدير، ما يمنع إمكانية التصريح الكاذب للتهرب من الجمارك".
وتابع سلام بشأن التهرب الضريبي: " أحلنا أكثر من 100 شركة إلى النيابة العامة المالية بموجب قانون تبييض الأموال وبتهمة التهرب الضريبي عمداً، وأحلنا أكثر من 100 شركة بتهمة التهرب من الضريبة على القيمة المضافة، كما طبقت وزارة المال مبدأ الحجر الجمركي على المتهربين من الضريبة على القيمة المضافة، وهذه تمنعهم من الاستيراد.
وبفضل هذا الإجراء، 1800 شركة بادرت للتصريح والتسديد خلال أسبوع".
كذلك، أعلن سلام أن وزارة الاشغال تستكمل مسح كل الأملاك البحرية، وهذا سيكون أول مسح شامل وكامل منذ عام 1994، كما أن هناك إعادة نظر بتخمين قيمة العقارات.
وأعلن أيضاً، حول ملف أصحاب الكسارات والمعامل، أنهم أصدروا أوامر تحصيل بأكثر من مليار دولار، مشيراً في المقابل إلى أن" هذه المبالغ لا يمكن تحصيلها فوراً وبشكل مباشر، فهناك منازعات قضائية"، لافتاً إلى أن" من بين أصحاب الكسارات والمعامل أصحاب نفوذ، ومنهم من يزايد علينا اليوم بموضوع الإصلاحات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك