طرابلس – «القدس العربي»: تتجه الأزمة المالية في ليبيا إلى مزيد من التصعيد بعدما وجّه رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة، خطاباً رسمياً إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى يطالبه فيه بإيقاف الصرف على الباب الثالث المتعلق بتمويل المشروعات للعام المالي 2026 على الجميع دون استثناء إلى حين الالتزام الكامل بأحكام البرنامج التنموي الموحد الموقع في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، في خطوة تعكس تمسك الحكومة بضبط الإنفاق العام ووقف مسار الصرف الموازي الذي تقول إنه فاقم الدين العام وأثقل كاهل الاقتصاد الوطني، وذلك في ظل سجال متصاعد مع رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد حول أرقام الإنفاق وأصول الدين العام.
الخطاب الذي نشرته منصة حكومتنا مساء الخميس شدد على ضرورة التزام جميع الجهات بالسقوف والضوابط المالية المنصوص عليها في البرنامج التنموي الموحد، محذراً من أن استمرار الإنفاق الموازي الذي تجاوز 70 مليار دينار ستكون له آثار مباشرة على ارتفاع الدين العام وزيادة معدلات التضخم وتراجع قيمة الدينار، وأكد الدبيبة أن التنمية حق لكل الليبيين في الشرق والغرب والجنوب لكن في إطار موحد ومنظم يحافظ على الاستقرار الاقتصادي ويمنع استنزاف الموارد خارج القنوات القانونية.
ويأتي هذا التطور بعد أيام من حديث الدبيبة خلال كلمته بمناسبة ذكرى 17 فبراير عن أن حجم الإنفاق الموازي خلال السنوات الثلاث الماضية تجاوز 300 مليار دينار، مشيراً إلى أن مجلس النواب أقر هذا الرقم واعتبره ديناً عاماً كما أقر تعديل سعر الصرف بهدف سداد هذا الدين، واعتبر أن هذا الإنفاق هو السبب الرئيسي في تفاقم أزمة العملة الصعبة وارتفاع سعر الدولار وانعكاسه على أسعار السلع في الأسواق، مؤكداً أن جهود المصرف المركزي لضبط السوق تبقى محدودة ما لم يعالج أصل الخلل المتمثل في الصرف الموازي غير المنضبط.
في المقابل، صعّد أسامة حماد من لهجته معلناً أن حكومة الوحدة أنفقت خلال خمس سنوات نحو 826 مليار دينار بينها ما يعادل 227 مليار دينار صُرفت على مبادلة الوقود وفق تقديره، معتبراً أن غياب ميزانية عامة معتمدة من السلطة التشريعية يمثل أصل الخلل في الصرف وتراكم الدين، كما اتهم الحكومة بالاعتماد على ترتيبات مالية واعتمادات شهرية بالمخالفة للقانون وبالاستمرار في الإنفاق دون إطار تشريعي جامع، داعياً في الوقت نفسه إلى حوار مباشر مع الدبيبة أو خروج الطرفين من المشهد إذا كان وجودهما عائقاً أمام توحيد المؤسسات.
غير أن حكومة الوحدة تؤكد في خطابها أن المشكلة لا تكمن في الإنفاق التنموي المنظم، بل في الإنفاق الموازي الذي جرى خارج إطار موحد خلال السنوات الماضية، وأن ضبط الباب الثالث مؤقتاً هو إجراء احترازي يهدف إلى حماية الاقتصاد من مزيد من الاختلالات إلى حين ضمان الالتزام الجماعي بالبرنامج التنموي الموحد، خاصة في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعاني فيها المواطن من ارتفاع الأسعار وتذبذب سعر الصرف وتراجع القدرة الشرائية مع اقتراب شهر رمضان.
وتكشف خلفيات الأزمة أن الانقسام المؤسسي الممتد منذ سنوات ألقى بظلاله على السياسة المالية للدولة، إذ جرى اعتماد ترتيبات مالية بدلاً من ميزانيات عامة موحدة ما فتح الباب أمام توسع الالتزامات وتراكم الدين العام، كما أدى غياب التنسيق الكامل بين المؤسسات التنفيذية إلى تعدد مراكز القرار المالي، وهو ما انعكس على مؤشرات الاقتصاد الكلي وعلى قدرة المصرف المركزي في إدارة السياسة النقدية بكفاءة.
البرنامج التنموي الموحد الذي تم التوقيع عليه في تشرين الثاني / نوفمبر 2025 يمثل وفق رؤية الحكومة إطاراً عملياً لتوحيد أولويات الإنفاق وضبط مسار التنمية في مختلف المناطق، غير أن تطبيقه يتطلب التزاماً متبادلاً من جميع الأطراف وعدم اللجوء إلى مسارات موازية تفرغ الاتفاق من مضمونه، وفي هذا السياق يأتي طلب إيقاف الصرف على الباب الثالث كرسالة واضحة بأن استمرار التمويل دون التزام كامل بالضوابط سيقود إلى مزيد من الضغوط على العملة وعلى الاستقرار المالي.
ويرى متابعون أن قرار إيقاف تمويل مشروعات 2026 إذا جرى تنفيذه فعلياً قد يشكل أداة ضغط لإعادة ترتيب الأولويات المالية وفرض الانضباط على مسار الإنفاق، لكنه في الوقت ذاته يضع تحديات أمام الجهات التي كانت تستعد لتنفيذ مشروعات خدمية وتنموية خلال العام المقبل، ما يجعل مسألة التوصل إلى تفاهم شامل حول آلية الإنفاق أمراً ملحاً لتفادي تعطيل مشاريع يحتاجها المواطنون.
في المحصلة، يعكس التصعيد الحالي انتقال الخلاف بين الحكومتين من السجال السياسي إلى المواجهة حول أدوات السياسة المالية، حيث باتت أرقام الدين العام والإنفاق الموازي في قلب الخطاب العام، فيما تسعى حكومة الوحدة إلى تثبيت سرديتها القائمة على أن ضبط الصرف ووقف المسارات الموازية هو المدخل الأساسي لاستعادة الاستقرار النقدي والمالي، ويبقى نجاح هذه المقاربة مرهوناً بمدى استعداد الأطراف كافة للالتزام ببرنامج موحد يضع مصلحة الاقتصاد فوق حسابات الانقسام السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك