قبل أسبوع أعادت قناة «ماسبيرو زمان» عرض فيلم «التوت والنبوت»، والذي سهرت معه لساعة متأخرة من الليل، وهو أمر مهم هذه الأيام، حتى لا ننسى معنى الدراما.
وقد كان أحد أساتذتنا يقول إنه توقف عن قراءة الصحيفة التي شغل فيها موقع رئيس التحرير، بعد أن غادر موقعه، حتى لا ينسى الصحافة!
الفيلم تم إنتاجه في سنة 1986، في مرحلة وسيطة بين مرحلتين: الأولى مرحلة الدراما البسيطة، والثانية مرحلة الدراما المركبة والحشد الدرامي المتنوع في العمل الواحد، قبل المرحلة الحالية، وهي مرحلة اللادراما!
وقصة الفيلم مأخوذة من رواية «الحرافيش» لنجيب محفوظ، وكاتب السيناريو والحوار هو عصام الجمبلاطي، أما المخرج فهو نيازي مصطفى، الى جانب حشد من النجوم.
ولن تجد عملًا واحدًا الآن يعتمد على هذا العدد من النجوم، فقد أُحيل النجوم للتقاعد في محاولة فاشلة لخلق نجوم جدد للمرحلة، فإذا بنا أمام أطفال الأنابيب، وصار ظهور عبلة كامل في إعلان مدفوع الأجر للتسويق لشركة اتصالات هو فتح مبين، يستقبله مقدمو برامج «التوك شو»، كما لو كان إنجازًا للمرحلة يشبه البرج الأيقوني، أو أطول مئذنة وأعرض كنيسة في العالم، مع أن مكان عبلة كامل وأمثالها في الدراما، وليس في الإعلانات التسويقية!
فيلم «التوت والنبوت» يحكي قصة الفتوة حسونة السبع (حمدي غيث)، الذي يفرض إتاوات على الحي، ويضمر شرًا لأسرة عاشور الناجي (عزت العلايلي)، فيجبره على تطليق زوجته عزيزة رضوان (تيسير فهمي).
وإذ بدا الحرافيش في حالة استسلام لهذا الظلم، فإنه في لحظة مقاومة من عاشور كان الخلاص من هذا الوضع البائس، وإذا بمؤسسة الظالم أوهن من بيت العنكبوت.
الفيلم مليء بالدلالات والرموز السياسية، لا تقل عن دلالات وإسقاطات فيلم «شيء من الخوف»، لكننا في مرحلة اللا دراما صرنا أمام المباشرة، فلا تمييز بين المسلسل وتحقيقات النيابة؛ فالمسلسل يكشف، والمسلسل يؤكد، ويعرب، والمسلسل يوثق.
وعندما تفشل المعالجة الإعلامية في المعارك السياسية يكون اللجوء إلى الدراما فيتم افسادها على النحو الذي نشاهد!
ومسلسل «رأس الأفعى» هو امتداد لسلسلة «الاختيار»، ويجسد شخصية القيادي في جماعة الإخوان المسلمين محمود عزت، الذي ظل، مع كبر سنه وشيخوخته، لسنوات هاربًا داخل مصر، إلى أن تم القبض عليه في مسكنه.
فهل تركوه لأداء مهمة، فلما انتهت ألقوا القبض عليه، وذلك بعد القضاء على الجناح الثوري في الجماعة باغتيال محمد كمال، والذي كان على خلاف مع جناح المهادنة برئاسة محمود حسين في إسطنبول، والذي كان يستمد شرعيته بالتواصل مع القائم بأعمال المرشد العام للجماعة محمود عزت، فكان وجوده خارج السجن لصالحه؟ ! وليس هذا موضوعنا!
فالنشر الصحافي عن المسلسل في عناوين تصلح للنشر من أوراق التحقيقات: فالمسلسل يكشف تحريض محمود عزت على اغتيال جمال عبد الناصر، والمسلسل يكشف دور الإخوان في أزمة الدولار (هل انتهت الأزمة؟ ) والمسلسل يكشف كواليس التمويل الخارجي واللجان الإعلامية للتنظيم، والمسلسل يسجل اعتراف محمود عزت في تحقيقات تنظيم 1965: نظام عبد الناصر جاهلي والحكومة كفار.
ومسلسل «رأس الأفعى» يكشف «فضايح الإخوان».
وهكذا!
وقد شاهدت ما عُرض إلى الآن من حلقات المسلسل، وراعني هذا الشح الدرامي، وبحثت عن اسم المؤلف فإذا به شاب بدأت أعماله قبل سبع سنوات فقط، فلا هو نجيب محفوظ ولا هو عصام الجمبلاطي.
وهي مرحلة خلق وجوه من عدم، بينما لا يعمل الكبار، ومن بيدهم عقدة الأمر يريدون فرض ذوقهم على الناس بالإلحاح وقوة السلاح، وبتغييب النجوم الكبار، وعلى طريقة: هذا ما عندنا فاطفح!
في زمن الدراما المصرية، كانت القنوات التلفزيونية الخارجية تقدم على شراء الأعمال للعرض في الوقت نفسه، وهي ميزة حُرمت منها مصر في السنوات العشر الماضية، ولا يقولون لنا أي قنوات خارج مصر تعرض مسلسل «رأس الأفعى»، وقامت بشرائه، مع أن رسالة تشويه الإخوان مطلوبة في الإقليم! ومن عجب أن القصور الدرامي يتم تجاوزه بالنشر العام بأن الإخوان في كرب مقيم، وقد أُصيبوا بالجنون من جراء مسلسل «رأس الأفعى»، وقد بدأوا حملة مدفوعة لغسل سمعة محمود عزت.
أرأيتم كيف أن الإخوان لا ينامون الليل من تأثير المسلسل؟ !
غابة الإعلام.
وسهير عبد الحميد.
كم عدد القنوات التلفزيونية في مصر؟ وكم عدد الصحف التي تصدر فيها؟ وكم عدد برامج «التوك شو»، التي تعاني كثيرًا من شح الأفكار، فتعيد وتزيد، وتلت وتفت، في موضوعات تافهة؟ !
لست بصدد إثبات أنها في معظمها تنتمي لجهة واحدة، فالشاهد أننا أمام ترسانة إعلامية، أو غابة.
ومع كل هذا فقد لفت انتباهي ما ذكره أحد المعلقين بأن قناة، أو برنامجًا واحدًا، لم يستضف الكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد في أزمة الكتاب المسروق، والذي قامت وزيرة الثقافة الجديدة جيهان زكي بالسطو عليه.
والأزمة على أشدها، ومع ذلك فلم يتكرم برنامج واحد بإجراء حوار مع من فجرت هذه القنبلة، في تجاهل مريب لها!
القضية فيها من الإثارة الكثير، فمن وقع الاختيار عليها لتكون وزيرة للثقافة المصرية تأتي لموقعها وصحيفة سوابقها تحتوي على الاتهام بالسطو على مؤلف، وتجاوزت مرحلة المتهمة إلى المدانة بحكم قضائي قضى بمصادرة كتاب الوزيرة (قبل تعيينها في هذا المنصب الكبير)، كما حكمت المحكمة عليها بتعويض قدره مئة ألف جنيه مصري لصالح سهير عبد الحميد، وأن السطو لم يكن على عبارة أو صفحة، فنصف كتاب الوزيرة مسروق من كتاب الصحافية.
وقد تحولت السرقة إلى قضية رأي عام، ودافعت الحكومة ممثلة في وزير إعلامها عن الوزيرة، وصار الموضوع حديث الـ»سوشيال ميديا»، إلا أن برنامجًا واحدًا لم يجرؤ على استضافة الكاتبة الصحافية لمناقشة الأمر، ولو بتحول مقدم البرنامج ليمثل الوزيرة إن تعذر حضورها.
فهل يعقل أنه مع كل هذه الضجة فإن الاستضافة الوحيدة هي من جانب بودكاست «تفاصيل مصرية»، ليحاورها الصحافي معوض جودة ويكون هذا أول ظهور لها؟ !
أهل الحكم في أزمة، وأزمتهم الحقيقية أن حكم الإدانة صدر قبل عامين، وتم تفجير القضية قبل تعيين جيهان زكي رسميًا وزيرة للثقافة، لكنها المكابرة.
ويبدو أن هناك من يتبناها، بدليل أيضًا تعيينها عضوًا في البرلمان، مع أنها مدانة بالسطو على كتاب شخصية «قوت القلوب الدمرداشية»، ربما لأن شهادتها العلمية مثلت غواية للقوم، وهي حاصلة على الدكتوراة من واحدة من الجامعات الفرنسية العريقة.
ونحن محكومون بعقدة الخواجة من ناحية، ومن ناحية عندنا ضعف بشري تجاه الثقافة الفرنسية منذ كتاب «الأيام» لطه حسين، والذي كان مقررًا في المدارس على أيامنا، ولا أعرف ما هو الحال الآن؟ !
ولأنها أزمة سلطة أسأت الاختيار، فإن قناة تلفزيونية واحدة من هذه الغابة لم تجرؤ على استضافتها، وحتى المؤسسة الصحافية التي تعمل بها لم تجر معها حوارًا، مع تعدد إصداراتها، الأمر الذي يعني أنه ليس حماية لسلطة في سوء اختيارها، ولكن لأن الوزيرة تخضع للحماية لشخصها.
من أخبرهم أن طقوسهم اليومية تهم المشاهد في شيء؟ ! حالة من التوهم تدفع بعض مقدمي البرامج لتصور إن أمرهم مما يشغل الناس، كما لو كانوا نجوم سينما، أيام أن كان هناك نجوم بالفعل، وقبل مرحلة القحط التي نعيشها الآن.
لميس الحديدي، وهي في مرحلة الشيخوخة المهنية، تصارع الزمن، وتتحدث عن طقوسها في رمضان؛ فوالدتها كانت دائمًا تعمل في أول يوم بطًا ومحاشي وحاجات كثيرة، مثل الجلاش والسمبوسك، وأن لميس نفسها لا بد أن تزين البيت في كل مكان وتعلق فانوسًا أمام المنزل، لدرجة أن أي مار يعرف أنه في رمضان! وكأن فانوسها هو هلال الشهر الكريم!
هل تعتقد بالفعل أن المشاهدين يشغلهم ذلك؟ ولماذا هذا الاستفزاز للناس مع هذه الظروف المعيشية القاسية؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك