في نسخته الـ52، يستعيد «معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية» حضوره بوصفه منصة سنوية لقراءة تحولات المشهد التشكيلي، مستقطبًا هذا العام 75 فنانًا وفنانة من البحرينيين والمقيمين، تتوزع أعمالهم في فضاءات «متحف البحرين الوطني»، حيث تنعقد التجارب في حوار مفتوح مع المتلقي.
إذ يأتي المعرض، الذي انطلق في الـ19 من فبراير 2026، مرآةً للحركة التشكيلية وهي تراجع أدواتها، وتختبر وسائطها، وتعيد تعريف حساسيتها الجمالية في ضوء تسارع التقنيات وتبدل الذائقة، وهو ما يبدو جليًا في تجاور اللوحة مع الوسائط المستحدثة، والاشتغالات المفاهيمية والنحتية، مع تقاطع التعبير الفردي مع أسئلة المدينة والذاكرة والتحولات اليومية.
يمنح المعرض السنوي، كديدنه كل عام، مساحة لقراءة التحولات التي تطرأ على التجربة التشكيلية في البحرين، سواء على مستوى الأساليب أو الموضوعات، حيث تُستعاد الأمكنة كمادة بصرية قابلة لإعادة الصياغة؛ إذ يتحول الباب القديم، والشجرة المنفردة، والممر المنزلي، وحتى موجة عابرة في المخيال، إلى علامات دالة تتجاوز حضورها العيني، لتغدو مدخلًا لمعنى أوسع يتعلق بالذاكرة والهوية وتحولات العيش.
تتبدى هذه الموضوعات في عدد كبير من اشتغالات المعرض، حيث يتكئ الفنانون على إيقاع اللون، وإحكام البناء، وتنوع الملامس، وتراكب الطبقات، لصياغة رؤى تستحضر المكان والذاكرة والإنسان من زوايا متعددة.
وفي محصلته، يغدو المعرض أشبه بأرشيف للحظة التشكيلية الراهنة، يضم تحت سقف واحد خبرات تراكمت منذ البدايات الأولى للحركة الفنية في البحرين، إلى جانب تجارب شابة تستعير أدواتها من عالم تتقاطع فيه الصورة مع الشاشة، وتتداخل اللوحة مع الفكرة، وتتجاور الحرفة مع التجريب.
وتتكشف في هذه الدورة تعددية واضحة في المدارس والأساليب، بحيث يبدو الانتقال بين الأعمال انتقالًا داخل خريطة الحركة التشكيلية البحرينية ذاتها؛ ثمة أعمال تميل إلى التجريد بوصفه أفقًا لبناء عالم داخلي، حيث تتوازن الكتل مع الفراغات، ويتحول اللون إلى عنصر فاعل في إنتاج المعنى، متجاوزًا حضوره الزخرفي إلى وظيفة فكرية وبنائية، في المقابل، تحضر تجارب تستدعي الواقع عبر مفردات معمارية وبيئية، تنصت لإشارات المكان المحلي من دون الوقوع في المباشرة أو الاكتفاء بالاستعادة التوثيقية؛ إذ تُعاد صياغة هذه المفردات ضمن لغة بصرية معاصرة.
وتحضر الطباعة هذا العام بوصفها وسيطًا قادرًا على التقاط الحدة والتوتر، عبر تكوينات مشدودة واقتصاد لوني يضاعف كثافة الإحساس ويكثف الدلالة، وقد بدا لافتًا أن تتوج إحدى هذه التجارب القريبة من روحها بـ«جائزة الدانة»، بعد دورات متعددة، استحوذت فيها الفنون المفاهيمية بالجائزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك