تعيد الروائية الفلسطينية ابتسام عازم تعريف الكتابة فوق الأنقاض في نصوص تعتمد على المكان الذي قد يُخيّل أنه الراوي من دون أن ينطق بالحكاية؛ فالأمكنة هنا كائنات حية تُقصف، وتتألم، وتلفظ أنفاسها.
فتذكر في مجموعتها القصصية" مدن الغريب" (منشورات تكوين، 2025)، أسماء الشوارع والحارات، وتفاصيل الطوابق التي تحولت إلى أشكال هندسية جديدة بفعل الدمار الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال.
ولا يتصدر هذا الإغراق في التفاصيل المكانية بوصفه نوعاً من الترف الأدبي، إنما يتصدر بطولة الحكايات كما لو أنه فعل مقاومة ضد المحو؛ فتوثيق اسم الزاوية التي سقطت فيها قذيفة أو توجه إليها شهيد أو استعادت الذاكرة اسمه الأصلي؛ جاء ليثبت أحقية الوجود في وجه آلة تسعى إلى تحويل المدن إلى" مدن غريبة" حتى على أهلها.
في قصة" سمورة"، تجسد عازم ذروة المأساة الإنسانية من خلال عيني الطفلة نسرين.
نسرين التي تبحث عن دميتها" سمورة" وسط حطام بيتها، تعكس انشغال الكائن بمفقوداته الصغيرة بوصفه آلية للدفاع ضد هول الفقد الأكبر.
فالحوار بين نسرين والدمية مرثية للأحلام الموؤودة؛ صحيح حلمت الفتاة أن تصبح قبطانة طائرة إلا أن المشهد الحقيقي لطائرات الإغارة جعل الحلم ذنباً لا تود إلا أن تمحيه بعد أن صار الطيران في سماء غزة نذيراً للموت لا رمزاً للحرية والخلاص.
في فلسطين، لا يكفي أن تموت، بل عليك أن تجد قبراً يلمك.
تبرع عازم في تصوير تضاد إنساني يعمق المأساة؛ فبينما تنشغل الأم بجمع ما تبقى من بؤس العيش، وينشغل الشباب بإنقاذ الجار" معتز" من تحت الركام، تظل نسرين متمسكة بدميتها.
لكن المأساة تكتمل في دائرة عبثية من الفناء؛ ففي اللحظة التي ينجو فيها معتز، يبتلع الموت نسرين في غارة جديدة، لتبقى الدمية" سمورة" وحيدة على الحجر، شاهدة على فناء صاحبتها، في صورة صارخة لدوائر الفقد المتكررة التي لا تنتهي.
تغوص ابتسام عازم في فلسفة الأشياء؛ فالدمية" سمورة" والكناري" هدهد" والمقعد الدراسي حراساً للذاكرة الشخصية في وجه الإبادة المكانية.
عندما تصر نسرين على أن دميتها تشبهها في" سمارها الجوزي" وشعرها" المشاكس كجزة صوف"، فإن عازم هنا تمنح الضحية ملامحَ وتاريخاً وجمالاً خاصاً، متمردةً على محاولات" إله الحرب" لتحويل الفلسطينيين إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
الحطام في قصص عازم ليس نهاية المادة، بل هو" اختراع لأشكال هندسية جديدة" كما تصفه، حيث تتحول الأنقاض إلى طبقات جيولوجية من الحكايات الموؤودة.
هذا الإلحاح على التفاصيل الدقيقة مثل حلم نسرين بأن تصبح قبطانة طائرة، يبرز الفجوة الأخلاقية الهائلة بين" الطائرة" بوصفها أداة للتحليق والحرية في خيال الطفلة، و" الطائرة" أداةً للموت المجرد في واقع الاحتلال.
إن عازم تضعنا أمام مرآة قاسية؛ حيث يصبح" الكناري" الذي لا يهدأ رمزاً لحيويّة مهددة بالسكون الأبدي، وتصبح" الحقيبة المدرسية" عبئاً من الوعود التي لن تتحقق.
من خلال هذه المقاربة، تنجح الكاتبة في" أنسنة الوجع" بعيداً عن الصراخ المباشر، جاعلةً من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة خط الدفاع الأخير عن الوجود.
إنها تكتب عن المدن التي سقطت والمدن التي" تأبى السقوط" ما دام هناك من يتذكر لون كناري أو ملمس دمية من القماش.
هذا الانحياز إلى التفاصيل الهامشية يجعل من" مدن الغريب" وثيقة وجدانية تدين القاتل بلسان الأشياء التي لم تكتمل قصتها بعد.
تنتقل عازم في قصة" عيد ميلاد" إلى منطقة شعورية بالغة التعقيد.
وهنا، يصبح الموت الطبيعي رفاهيةً يخجل منها الأحياء وسط جثث متحللة وأشلاء مبعثرة.
تصف الكاتبة جنازة الأب الذي مات قهراً بأنه" موت طبيعي اختطفه خجلاً"، في مفارقة موجعة تشير إلى أن الموت بسلام أصبح شذوذاً عن قاعدة القتل الجماعي.
تطرح القصص أيضاً معضلة الفقد المزدوج؛ فقدان الروح وفقدان الجسد.
ففي فلسطين، لا يكفي أن تموت، بل عليك أن تجد قبراً يلمك.
وعندما تضيع الجثامين، أو تظل عالقة تحت الأنقاض، أو تختفي لعشرين عاماً، يغدو القبر بحد ذاته حلماً.
وهكذا يمنع فقدان الجسد الناجين من الالتحام بالماضي أو ممارسة طقوس الوداع الأخيرة، ليتحول الغياب إلى سحابة شاردة لا تجد أرضاً تستقر فيها.
تنتهي إحدى القصص بجملة تلخص فلسفة المجموعة" وسيكتب الحكاية من يبقى للآخر" فلا تكتب ابتسام عمن بقوا وحدهم، إنما تعطي صوتاً لمن غابوا، ولدمى الأطفال، وللأشجار التي حفرت عليها الأسماء، وللأجساد التي لم تجد قبوراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك