أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، أن التحقيق الأممي المستقل الذي كشف عن مقتل آلاف المدنيين فور سيطرة ميليشيا الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي، يوثق جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان وفقًا لأحكام القانون الدولي.
وأوضح مهران في تصريح خاص لـ«فيتو»، أن ما ورد في نتائج التحقيق يستوفي الشروط القانونية لـ جريمة الإبادة الجماعية، من حيث القصد الجنائي الخاص واستهداف جماعة بعينها، فضلًا عن ارتكاب أفعال القتل والإيذاء الجسيم في سياق هجوم واسع النطاق، مشددًا على أن هذه المعطيات لا تترك مجالًا للشك بشأن جسامة الانتهاكات المرتكبة.
وأضاف أن قواعد القانون الدولي، وعلى رأسها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، تُلزم المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف هذه الجرائم ومنع استمرارها، مؤكدًا أن الصمت أو التباطؤ في التحرك قد يرقى إلى مستوى الإخلال بالالتزامات القانونية الدولية.
وطالب مهران بضرورة فتح تحقيقات دولية عاجلة ومستقلة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام الآليات القضائية المختصة، بما يضمن إنصاف الضحايا وعدم إفلات الجناة من العقاب.
اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وأوضح أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 تعرّف في مادتها الثانية الإبادة الجماعية بأنها أي من الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها تلك، بما في ذلك القتل وإلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الجسيم بأفرادها.
وأشار إلى أن ما كشف عنه التحقيق الأممي من عمليات قتل جماعي لآلاف المدنيين فور دخول المدينة يندرج، من الناحية القانونية، مباشرة تحت هذا التعريف، إذا ما ثبت توافر القصد الخاص باستهداف جماعة بعينها، مؤكدًا أن جسامة الوقائع الموثقة تضعها في إطار أخطر الجرائم التي يجرمها القانون الدولي.
التحقيق الأممي أشار إلى طبيعة الممارسات والانتهاكات الموثقة في الفاشر.
وأشار الخبير الدولي إلى أن التحقيق الأممي قد أشار بوضوح إلى أن طبيعة الممارسات والانتهاكات الموثقة في الفاشر تدل على ارتكاب إبادة جماعية.
وحذر من أن هذا التوصيف القانوني الدقيق من هيئة أممية مستقلة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية للتحرك الفوري.
وأكد أن المادة الثامنة من اتفاقية الإبادة الجماعية تلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة من خلال أجهزة الأمم المتحدة المختصة لمنع وقمع أفعال الإبادة الجماعية.
كما شدد على أن الحصار الذي دام 18 شهرًا قبل سقوط المدينة يشكل في حد ذاته جريمة حرب، موضحًا أن القانون الدولي الإنساني يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب.
وأكد أن حصار مدينة كاملة لمدة عام ونصف يهدف بوضوح إلى إخضاع السكان المدنيين وإجبارهم على الاستسلام، محذرًا من أن هذا يشكل انتهاكًا جسيمًا لاتفاقيات جنيف.
القتل الجماعي فور دخول المدينة يثبت وجود القصد الجنائي.
لفت مهران إلى أن القتل الجماعي فور دخول المدينة يثبت وجود القصد الجنائي الخاص المطلوب لجريمة الإبادة الجماعية.
موضحًا أن التنفيذ المنظم والممنهج للقتل الجماعي يدل على أن الأوامر صدرت من قيادات الميليشيا وليست أفعالًا فردية.
وأكد أن هذا يعزز المسؤولية الجنائية لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو" حميدتي".
وحذر من أن نمط الجرائم في الفاشر يتكرر في مناطق أخرى من السودان، موضحًا أن الميليشيا ارتكبت مذابح مماثلة في الجنينة ونيالا والأبيض وغيرها.
وأكد أن هذا النمط الممنهج يثبت أن الإبادة الجماعية سياسة استراتيجية للميليشيا وليست حوادث معزولة.
ودعا الدكتور مهران المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق موسع في مذبحة الفاشر، وإضافتها إلى باقي الوقائع الثابتة من الجرائم بحق حميدتي، مؤكدًا أن الأدلة والشهادات موثقة من هيئة أممية مستقلة.
وحذر من أن أي تأخير في المحاسبة سيشجع على ارتكاب المزيد من المذابح.
وطالب أيضًا مجلس الأمن الدولي بعقد جلسة طارئة لبحث التحقيق الأممي واتخاذ إجراءات فورية، تشمل فرض عقوبات شاملة على الدعم السريع وقادتها، وفرض حظر سلاح كامل على الميليشيا.
وشدد مهران على أن مذبحة الفاشر تعتبر بقعة سوداء في تاريخ الإنسانية، محذرًا من أن الصمت الدولي المخزي يعني تواطؤًا في الجريمة، داعيًا المجتمع الدولي لوقف المأساة الإنسانية في السودان قبل فوات الأوان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك