وضعت إيران على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة عرضاً غير مسبوق، في محاولة لتجنب مواجهة عسكرية وإنقاذ برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
العرض، الذي يُعد تحولاً جذرياً عن سياسات طهران منذ ثورة 1979، يقضي بإتاحة فرص للشركات الأميركية للاستثمار في النفط والغاز الإيراني، وهما قطاعان ظلّت طهران تحجبانهما عن الولايات المتحدة لعقود.
يأتي العرض في سياق محاولات تهدف إلى تقييد القدرات النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني وأدت إلى تفاقم معاناة المواطنين.
وحذّر الرئيس دونالد ترمب إيران من مهلة تراوح ما بين 10 و15 يوماً للتوصل إلى" اتفاق ذي معنى"، محذراً من احتمال تنفيذ ضربات جوية في حال فشل المفاوضات.
اتفاق متوازن مع الولايات المتحدة.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني حامد غنّبري، إن إيران قدمت رسمياً ترتيبات اقتصادية تشمل مجالات لم تكن لتخطر على بال قبل أسابيع قليلة، منها" المصالح المشتركة في النفط والغاز، وحقول مشتركة، والاستثمار في التعدين، وحتى شراء الطائرات".
وبحسب المسؤول الإيراني، هذه المقترحات تأتي في إطار جهود طهران للتوصل إلى اتفاق متوازن مع الولايات المتحدة.
وعلى رغم ذلك، يظل السؤال قائماً حول جدية إيران في هذا العرض، أو ما إذا كان مفاوضوها المخضرمون يخططون لتنفيذ" خدعة دبلوماسية" لإرضاء الرئيس الأميركي وتهدئة الموقف من دون تقديم تنازلات حقيقية.
كانت الدبلوماسية الإيرانية تعتمد تاريخياً على صياغة لغة غامضة في المفاوضات، بحيث يمكن تفسيرها على أنها تنازل بالإنجليزية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على القدرات النووية باللغة الفارسية.
ويعد وزير الخارجية عباس عراقجي، ونائب الوزير ماجد تخت روانجي، من أبرز مهندسي الاتفاق النووي عام 2015، وهم من أكثر الدبلوماسيين خبرة في ملف التخصيب النووي في العالم.
وفي المقابل، يجلس أمامهم المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، مستثمر عقاري بلا خلفية في منع انتشار الأسلحة النووية، مما يخلق عدم توازن واضح في الخبرة التفاوضية بين الطرفين، وفقاً لما قاله محللون ومطلعون على النظام الإيراني لصحيفة" تليغراف".
ويشكل التناقض بين الخطاب العلني للمرشد الأعلى علي خامنئي وتحركات فريقه التفاوضي خلف الأبواب المغلقة إحدى سمات المفاوضات الإيرانية، ففي اليوم نفسه الذي جرت فيه محادثات جنيف، هدد خامنئي بغرق حاملات الطائرات الأميركية، وأكد أن برنامج الصواريخ الإيراني غير قابل للتفاوض، بينما كان وزير خارجيته يقدم للشركات الأميركية عرضاً للاستثمار في حقول النفط والغاز الإيرانية.
وأوضح عضو مؤسس في الحرس الثوري الإيراني، محسن سازجرا للصحيفة، أن هذا التناقض جزء من المسرح الداخلي، إذ تهدف الرسائل العلنية إلى إظهار التشدد أمام الجمهور المحلي، بينما تجري المفاوضات العملية بصورة أكثر براغماتية.
يستند العرض الإيراني على استراتيجيات دبلوماسية استخدمت منذ عقود، إذ يحافظ المرشد الأعلى على صورته الثورية أمام الداخل، بينما يقدم مفاوضوه تنازلات مدروسة.
كان خامنئي مطلعاً شخصياً على كل بنود اتفاق 2015، على رغم تشكيكه العلني فيه، ويبدو أن نفس النهج يُتبع في هذه المفاوضات الحالية.
وعلى رغم ذلك، لا تزال الفجوات الجوهرية بين الطرفين كبيرة، إذ تطالب إدارة ترمب بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم، بينما تعد طهران أن التخصيب حق مكفول لها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولا يمكن التنازل عنه، وهذا الخلاف الأساس يجعل التوصل إلى اتفاق بعيد المنال في الوقت الحالي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
من الناحية الداخلية، يمثل عرض النفط اختباراً صعباً للنظام الإيراني، فسيادة إيران على مواردها النفطية تعد جزءاً من هوية الجمهورية الإسلامية، منذ الاستيلاء على النفط من بريطانيا عام 1953 واندلاع الثورة عام 1979، وأي تنازل عن هذا الملف قد يمنح التيار المتشدد فرصة لإفشال الاتفاق داخلياً.
جرى اعتقال عدة سياسيين إصلاحيين دعوا للحوار مع الغرب، مما يظهر ضيق المساحة السياسية لإبرام اتفاق من هذا النوع، أما الجانب الأميركي، فيواجه أيضاً قيوداً استراتيجية، فإرسال مجموعتين من حاملات الطائرات إلى المنطقة يوفر خيارات عسكرية، لكنه لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية من دون اتخاذ إجراء أو التوصل إلى حل دبلوماسي يمكن تقديمه كإنجاز.
وانهيار الدولة الإيرانية سيخلق فراغاً أمنياً خطراً، إذ لن يكون من الواضح من سيحصل على الترسانة الصاروخية وأنظمة الأسلحة الإيرانية.
وتجري المفاوضات في ظل خلفية من الاضطرابات الداخلية، إذ قُتل آلاف الإيرانيين الشهر الماضي في قمع احتجاجات نتيجة الأزمة الاقتصادية التي فاقمتها العقوبات وسوء إدارة النظام.
ومع تضخم الأسعار ونقص السلع الأساسية وحتى لقاحات الإنفلونزا، يظل المدنيون الإيرانيون أكثر المتضررين، بلا تمثيل أو نفوذ على طاولة المفاوضات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك