في زحمة الأحداث وسرعة نقل الخبر وكثرة التحليلات، يبقى الفرق الحقيقي بين الصحافة الجيدة والضعيفة هو طريقة قراءة الواقع.
حيث جرت العادة لدى وسائل الإعلام الغربية في تغطيات الأخبار عن السعودية، أن يُبنى الخبر وسرديته على أحكام جاهزة أكثر من الاعتماد على فهم السياق المحلي.
المشكلة ليست في نقل الخبر، بل في طريقة تفسيره.
في العمل الصحفي، السؤال الأساسي ليس فقط: ماذا حدث؟ بل أيضاً: أين حدث؟ ولماذا؟ عندما يتم تجاهل هذا السياق، تتحول المفاهيم إلى عناوين عامة، ويتشكل التحليل إلى رأي مسبق.
وهذا ما نراه عند الحديث عن قضايا المجتمع السعودي، حيث يُقدم الاختلاف الثقافي وكأنه خطأ، بدل النظر إليه كجزء طبيعي من تركيبة المجتمع وقيمه.
من أكثر الأمثلة وضوحاً استخدام مفاهيم مثل" الحرية والاستقلال" وكأنها مفاهيم واحدة في كل مكان، أساسها طريقة الحياة الغربية.
يتم قياس المجتمع السعودي بهذه المعايير كما لو أنها صالحة للتطبيق بكل ما فيها دون استثناء.
هذا الأسلوب يتجاهل حقيقة بسيطة: المجتمعات تختلف، وما يُعتبر طبيعياً أو مقبول في مكان ما قد يُفهم بشكل مختلف في مكان آخر.
فرض نموذج واحد على الجميع لا يساعد على الفهم، بل يزيد التشويه وينافي في جوهرة مبادئ الحرية والاستقلال.
المشكلة لا تتوقف عند المفاهيم فقط وإسقاط المعايير، بل تمتد إلى اختيار المصادر.
في كثير من المواد الصحفية، يتم الاعتماد على رأي جهة واحدة أو صوت خارجي واحد، بينما يغيب التنوع في الآراء المختلفة.
النتيجة أن القارئ يحصل على صورة ناقصة، أو موجهة مسبقاً تخدم فكرة يرسمها الصحفي، لا تعكس حجم النقاش الموجود داخل المجتمع السعودي، ولا تنقل تعدد وجهات النظر فيه وتحترمها.
بهذا الأسلوب، تُقدم التحولات الاجتماعية وكأنها مجرد" واجهة"، وتُقرأ التطورات دائماً من زاوية سلبية، دون الرجوع إلى أرقام واضحة أو آراء من داخل المجتمع نفسه.
هنا لا يعود القارئ أمام خبر، بل أمام رأي مغلف بصيغة خبر.
التعامل مع هذا النوع من التغطيات لا يكون بالرفض أو الدفاع الأعمى، بل بالعودة إلى الأساسيات.
على القارئ أن يميز بين ما هو خبر وما هو تفسير، وبين الوقائع وما يُضاف إليها من انطباعات.
وعلى المؤسسات المحلية أن تستمر في توفير المعلومات والبيانات، وأن تفتح المجال أمام أصوات متعددة، حتى لا تبقى الساحة مفتوحة لرواية واحدة فقط، ويكون للغياب ثمن مُكلف.
في الختام، النقد ليس مشكلة بحد ذاته، لكنه يصبح مشكلة عندما يُبنى على معايير لا تراعي اختلاف المجتمعات.
الصحافة الجيدة لا تفترض التشابه، ولا تصدر أحكاماً مسبقة، بل تحاول الفهم أولاً، ثم تترك للقارئ حرية التقييم بناء على صورة كاملة، لا على قالب جاهز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك