في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون المخاطر في وضوح الخصوم فقط، بل في الفراغ السياسي الذي يترك القضايا مكشوفة أمام الصفقات والتسويات.
الجنوب اليوم يقف عند هذا المفترق الحساس؛ حيث تتغير المواقف الإقليمية، وتتبدل التحالفات، وتُدار الملفات بمنطق المصالح لا بمنطق الحقوق، فيما شعب قدّم تضحيات جسيمة لا يريد أن يُفاجأ يومًا بتسوية تُفرض باسمه دون أن تعبّر عنه.
الواقع السياسي يقول بوضوح: الأفراد يرحلون، والظروف تتغير، لكن القضايا لا يمكن حمايتها بالرمزية أو العاطفة وحدها.
ما يحمي القضايا هو وجود حامل سياسي جنوبي قوي، مؤسسي، يمتلك الشرعية الشعبية، ويعبّر بوضوح عن الإرادة العامة، ويملك أدوات القرار والتفاوض، ويضع خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها تحت أي عنوان.
غياب هذا الحامل السياسي يفتح الباب لمخاطر حقيقية؛ فبدونه يصبح القرار الجنوبي عرضة للتفكيك والتمييع، وتتحول التضحيات إلى أوراق ضغط تُستخدم عند الحاجة ثم تُرمى في أول مقايضة.
كما يمنح هذا الغياب خصوم الجنوب، ومعهم نخبًا شمالية متجذرة في عدائها، فرصة إعادة إنتاج مشاريع الوصاية والإخضاع تحت مسميات “الشرعية” و”الحلول السياسية” و”الترتيبات المرحلية”.
قلق الشارع الجنوبي اليوم لا ينبع فقط مما يجري في الحاضر، بل مما قد يُفرض في المستقبل.
ماذا لو تغيّر ميزان المصالح الإقليمية؟ ماذا لو فُرضت مسارات حوار تُدار بمعزل عن الشارع، وتنتج مخرجات لا تعبّر عن تطلعاته؟ ماذا لو تم تفريغ القضية من مضمونها وتحويلها إلى تمثيل شكلي داخل منظومة لا تعترف أصلًا بحقوق الجنوب ولا بتضحياته؟لهذا، يصبح وجود حامل سياسي جنوبي واضح ومؤسسي ضرورة وطنية لا خيارًا تكتيكيًا.
حامل يوحّد الصف، ويحمي الإرادة الشعبية، ويحوّل التضحيات إلى مكاسب سياسية وقانونية ثابتة، ويمنع اختزال قضية شعب كامل في أسماء أو مراحل أو ظروف عابرة.
الجنوب لا يمكن أن يُدار كملف تابع، بل كقضية شعب صاحب حق وقرار.
والأهم من كل ذلك: تضحيات شعب الجنوب ليست تفصيلًا في هامش السياسة، ولا وقودًا لمعركة يُطلب بعدها الصمت والقبول بالأمر الواقع.
هذه التضحيات هي أصل الشرعية ومعناها الحقيقي، وهي السقف الذي لا يجوز النزول تحته مهما كانت الضغوط.
دماء الشهداء، ومعاناة الجرحى، وصمود الناس في المدن والقرى، ليست قابلة للمساومة ولا للاستهلاك الإعلامي.
من هنا تأتي أهمية الحامل السياسي الجنوبي المؤسسي: ليحوّل هذه التضحيات إلى حقوق مكتسبة، ومسار لا يمكن التراجع عنه، وضمانة حقيقية بأن الجنوب لم يدفع كل هذا الثمن ليعود إلى نقطة الصفر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك