في قلب جدة التاريخية، وتحديدًا في حارة المظلوم قرب أسواق الصاغة والفضيات وصانعي النحاس، يقف مسجد الشافعي شاهدًا على تداخل الأزمنة وتعاقب الحكايات.
في هذا الحي حيث تعبق الأزقة بروائح العطور والتوابل وتتعالى نداءات الباعة، يواصل المسجد حضوره بوصفه أحد أبرز معالم الحي وروحه النابضة.
لم يكن اختيار موقع مسجد الشافعي صدفة؛ إذ نشأ ليخدم سكان الحارة والحجاج القادمين قديمًا إلى ميناء المدينة، فتحول مع مرور الوقت إلى نقطة لقاء روحية واجتماعية تجمع الأهالي والزائرين.
ويعرفه أهل جدة باسم" المسجد العتيق"، في إشارة إلى مكانته التاريخية وعمق حضوره في الذاكرة المحلية.
يجمع المسجد في ملامحه بين البساطة التقليدية والتطورات العمرانية التي شهدها عبر العصور، حيث شُيّدت جدرانه من الحجارة المحلية، واستخدم في بنائه الطين البحري وحجر البازلت والأخشاب، بما ينسجم مع طبيعة البيئة الساحلية.
وقد صُممت الجدران لتقاوم رطوبة البحر وحرارته، فيما تسمح الفتحات بتسلل الضوء تدريجيًا إلى الداخل، مانحةً المكان أجواءً هادئة.
ورغم أن مساحاته لا تضاهي مساجد العصر الحديث، فإنه ظل يؤدي دوره كمصلّى يومي ومكان تلاقٍ لأهالي الحارة وزائريها.
وتبرز مئذنته بوصفها إحدى أقدم المآذن في الحجاز، إذ تعود إلى العصور الوسطى، وظلت على مدى ما يقارب ألف عام شاهدة على رفع الأذان، لتغدو علامة بصرية يمكن رؤيتها من الأزقة المحيطة.
وأمام المدخل، تمتد ساحة مكشوفة تتصل ببوابة قوسية تعلوها شرفات وواجهات مبانٍ تاريخية، في مشهد يعكس ترابط مسجد الشافعي مع نسيج الحي العمراني.
وتحيط بالساحة أروقة وممرات من جهات أربع، مدعومة بأعمدة خشبية وسقوف تقليدية، ما يمنح المكان بعدًا اجتماعيًا يتجاوز كونه مجرد ممر للصلاة.
بهذه التفاصيل، يظل مسجد الشافعي أكثر من مبنى أثري؛ إنه مساحة تختزن ذاكرة المكان، وتروي قصة حيٍّ ظلّ على مدى قرون ملتقى للناس وحكاياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك