يعزى هذا الأثر، أو القيمة الكبرى التي أعطيت لهذا الأديب الأرجنتيني بورخيس إلى الجدة والأصالة في وجهة نظره التي انطلق منها، في صوغ أدبه، والتي سعى بجد إلى إطلاقها وتعيينها؛ ولعل أهم ملمح في هذه الرؤية الجديدة إلى الأدب، يكمن في توسيعه مروحة المنابع الفكرية والثقافية التي يحسن بالكاتب العودة إليها، بغية التجديد في الكتابة، وخلق مناخات أسطورية متداخلة المصادر(آسيوية، وشرقية، وعربية، وصوفية، وغربية، في آن واحد).
وهذا ما يكفل للكتابة الأدبية أبعاداً تتجاوز المألوف، وتذهب بمخيلة القارى إلى أبعد مما تستطيعه أو يقتفيه في حال كان المرجع واقعياً.
في الكتاب الصادر حديثاً (2025) عن دار الجمل، والمترجم إلى العربية بعنوان" تاريخ الخلود" لمؤلفه خورخي بورخيس، على يد الكاتبين رضوان ناصح، وعبدالكريم العلمي، يعالج الأديب الأرجنتيني معضلة بشرية وأدبية أدركها الإنسان منذ أن وعى وجوده، وباشر تدوين أفكاره وخبرات قومه، عنيت بها صراعه مع الزمن، ووقوفه عاجزاً أمام الخلود، وسعيه لإدامة ذكره في ما يتجاوز محدودية زمنه، عبر الأدب، والفلسفة، واللاهوت، وغيرها.
ينطوي الكتاب المشار إليه على مقالات بحثية، تتراوح ما بين أهمية وعمق تحليل ومعالجة، وأهمها على الإطلاق ما استوجب أن يكون عنوان الكتاب، وهي" تاريخ الخلود" (ص: 13-36)، والمنقسمة بدورها أربعة أقسام، نتحدث عنها لاحقاً.
كذلك ينطوي الكتاب على مقالة عن" الكينينجار" أو الاستعارات، في اللغة الإيسلندية، في حين يتبين لنا، نحن قراء العربية، أن تلك أقرب إلى الكنايات، منها إلى الاستعارات ذات الأركان المعروفة في علم البيان.
إذاً، يستهل الكاتب بورخيس نقاشه البرهاني حول مسألة الخلود، بتعريف الزمن، مقتبساً من أفلوطين بأنه" لغز طبيعي ميتافيزيقي يجب أن يسبق الخلود، وهو صنيع البشر".
ذلك أن الخلود هو من مادة الزمن.
ثم يزيد على ذلك بذكر مقطع شعري للشاعر ميغيل دي أونامونو يقول في الزمن: " نهر الساعات الليلي/ من نبعه الذي هو الغد / الأبدي".
وإذ يعرض لمقولة تتابع مراحل الزمن (الماضي، الحاضر، المستقبل)، يورد تعريفات متباينة للفلاسفة؛ فعلى سبيل المثال، ينقل عن الفيلسوف برادلي قوله بنفي وجود المستقبل.
ويتابع تحليله الفلسفي بالقول؛ ولئن كان (الزمن) عرضة لإشكالات عديدة كونه يتزامن مع كل فرد، فإنه يؤكد، نقلاً عن فلاسفة آخرين، إن الأزمنة الثلاثة (الماضي/ الحاضر/ المستقبل) تتزامن في كيان واحد، وقائمة في آن واحد معاً.
وهذا ما يثبته الفيلسوف أفلوطين (204-270)، مؤسس الأفلاطونية الجديدة، والمفضل لدى الأديب، في كتابه" التاسوعات" أن الأزمنة كلها متزامنة.
فالماضي موجود في حاضره، وكذا شأن المستقبل.
وبناء عليه، يدعو البشر أجمعين إلى التأمل في حركة الكواكب والأشكال الكونية التي تتجه نحو الامتلاء من مثاليتها، وخلودها.
وبالتالي، فإن خلودها كامن في امتلائها.
وهكذا عاد كثير من الفلاسفة، والقول دائماً لبورخيس، إلى كتاب التاسوعات للنظر في الخلود، ثانية، والاعتبار منها أن الخلود قد يعزى إلى الفضائل والأشياء الكاملة، والمجردة من الأخطاء والأمراض، والعيوب.
وفي المقابل، انبرت الكنيسة لتدافع عن رؤيتها للخلود، إذ اعتبر القديس أغسطينوس، المولود في ليبيا (345- 430)، والناطق باسمها، أن الخلود هو للآب والابن والروح القدس، من دون سائر الأشخاص والمثل والكائنات جميعاً، على حد ما ورد في كتابه الـ11.
ومن المعلوم أن العلمانيين، وقفوا بالضد من هذه المقولة، إذ اعتبروا أن لا خلود مطلقاً، وأن ما سبق إقراره من مفاهيم إن هي إلا سربروس لاهوتي غير مجد.
وفي مقابل هذه وتلك، يرى ألبرتوس ماغنوس، بحسب ما نقله بورخيس عنه، في مفهوم الكليات، المقتبس أصلاً من أفلاطون، ما يشكل تمايزاً عن حقيقة الخلود المسيحي؛ ذلك أن للمفاهيم الإلهية وظيفة مختلفة عن وظيفة الكليات، مثل النوع، والجنس، والفصل، ما دامت نتاج عقلنا البشري.
وفي مقابل ذلك، يعتبر القديس أغسطينوس، الناطق باسم الكنيسة، أن خطر تلك الخلودات، الموسومة بالكليات، يتمثل في تفاهتها وتهافتها في آن.
في حين أن الخلود المسيحي مقصور على ذوي الفضائل الكبرى، والنعم السماوية التي لا تدركها الخطيئة، ولا أشكال الشر.
مما يشكل خطاً تمييزياً فاصلاً عن سائر الوجود، بحسبه، الآيل إلى الفساد والنقصان والفناء.
وفي إزاء هذه وتلك من الآراء حول الخلود، يطرح بورخيس رؤيته الفريدة في هذا الشأن، والقائلة بإمكان الشخص أن يلحق به الخلود، من دون الله، ومن دون مالك آخر، ولا نماذج أصلية.
وعلى الرغم من نبرته النبوية التي يخالجها التهكم الميلو درامي، يخلص إلى القول، في ختام تحليله: " إن الحياة (البشرية) هي أفقر بكثير من أن تكون خالدة، وأن اللحظات الإنسانية ليست لا متناهية".
ويتابع بورخيس معالجة بعض طروحاته أو محطات تأمله في اللغة، فيختار عنوان مقالته البحثية الثانية" كينينجار"، أي الاستعارات أو الجوازات، في الشعر الأيسلندي القديم، الذي كان ينشده الرواة والقوالون الأيسلنديون منذ ألف عام.
وقد أمكن له أن يحصي أعداداً لا بأس بها من الاستعارات، بمنطوق لغته البرتغالية الغربية، في حين أنها كنايات، بمنطوق لغتنا العربية، على ما سوف يتضح من متن المقالة البحثية؛ فقد وجد، على سبيل المثال، أن لفظة" طعام للغربان"، في ملحمة غريتر الإيسلندية كانت تعني" جثة المقاتل" الذي سقط في أرض المعركة.
وعلى هذا النحو وجد أن لفظة" مدمر ذرية العمالقة" هي كناية عن الكاهن في العقيدة الجديدة، أي المسيحية بالنسبة لهؤلاء القوم.
ولفظة" ندى السيف" هي كناية عن الدم المهراق في أثناء المعركة، و" لحم البجعة الحمراء" هي كناية عن القتلى في المعركة.
وبهذا المعنى، يمكن تعداد العشرات، بل المئات من هذه الصور الواردة في الشعر الإيسلندي القديم، على أنها" كينينجار"، ومنها:
وفي مقالة ثالثة يعالج بورخيس عقيدة الأزمنة الدائرية، أو ما يسميها البعض" العود الأبدي".
ولما كان هذا المفهوم أثيراً لدى البعض، يعرضه في البدء، ليناقشه لاحقاً، ويخلص إلى استنتاج منطقي مقنع.
وقد استهل طرحه بتبيين منطقي وأمثلة مستمدة من فلاسفة مؤيدين لهذا الطرح، أمثال رذرفورد، وكانتور، ونيتشه، والرواقيين، الذين قالوا بإمكان عودة الزمن إلى دوراته المتماثلة.
غير أن للقديس أغسطينوس، بحسب بورخيس، رأياً مخالفاً، يدحض فيه هذه" العقيدة البغيضة" على حد وصفه، باعتبار أن المسيح وحده هو الطريق والحق الذي يسمح لنا، نحن المؤمنين، بالخروج من متاهة الدوران الأبدي"، هذا إن كان ثمة دوران على هذه الصورة.
وفي تعقيب لاحق، يواصل بورخيس دحض فكرة الزمن الدائري، ليس تمثلاً بالرأي الأوغسطيني، وإنما تجانساً مع موقف المفكر الشيوعي بلانكي، صاحب كتاب" الخلود من خلال النجوم" الصادر عام 1872، الذي ينكر فيه إمكان تواتر عدد لا متناه من التغيرات في زمن متناه.
ويخلص، من ثم، إلى فكرته القائلة إنه، وإن حصل تشابه بين مصائر البشر، في مراحل زمنية متباعدة، فإنها لا يمكن أن تتطابق.
وفي المقالة البحثية الأخيرة بعنوان" مترجمو ألف ليلة وليلة" يجري بورخيس مقارنات دقيقة بين هؤلاء المترجمين إلى اللغات الغربية، الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، وهذه جميعاً يعرفها الكاتب، قراءة وكتابة وتداولاً شفهيا.
وكان قد تعاقب على هذه الترجمات التي امتد زمن تحققها، من أواخر القرن الـ17 إلى أوائل القرن الـ20، كثيرون، حفظ منهم أربعة يشكلون نقاط علام على تحول نوعي في العناية بالترجمة؛ فكان من الطبيعي أن يستهل كلامه على مترجمي ألف ليلة وليلة، بالكاتب الفرنسي والمستشرق أنطوان غالان، (1649-1715) الذي أنجز ترجمته الكاملة للنص العربي، واستعان بمساعده الحلبي حنا دياب الماروني، الذي كان له الفضل في إضافة 14 حكاية، لم تكن في الأصل العربي، مثل الأمير علاء الدين، والأربعين حرامي، والأمير أحمد والجنية، والشاطر حسن، وغيرها).
ومع ذلك، تعد نسخة أنطوان غالان الأسوأ من حيث الصياغة والأسلوب.
أما المترجم إدوارد لين الإنجليزي، وابن الكاهن ثيوفيلوس لين، البروتستانتي الطهراني، فأبى إلا أن يحذف من حكايات ألف ليلة وليلة كل ما يمت إلى الفواحش بصلة.
وبهذا أفقد العمل القصصي عفويته وحالته الفردوسية، على حد قول بورخيس.
وفي آخر قافلة من المترجمين الغربيين الذين أدركهم بورخيس وقرأ لهم، اثنان: أولهما ماردروس، الأرمني الأصل، الذي نقل الحكايات بدقة وأمانة مع إجادة في الوصف، وبعض التعديلات على متن النصوص المترجمة إلى الإنجليزية، في طبعة للكتاب صادرة عام 1899.
ولعل ماردروس كان أكثر مترجمي ألف ليلة وليلة ثناء لكون عمله أقرب إلى الاقتباس الأدبي منه إلى النقل الأمين.
على أنه يخلص في دراسته إلى تفضيل ترجمة إينو ليتمان إلى الألمانية، بنسختها الرابعة (1923-1928) لألف ليلة وليلة، لدقتها، وأمانة مترجمها المطلقة للنص الأصلي، مع محافظته على بعض المظاهر الفاحشة في الحكايات، وصواب لغتها وخلوها من الأخطاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك