في ذكرى يوم التأسيس، لا نُحدِّق في الماضي بوصفه حكايةً تُروى ثم تُنسى، بل نقرأه بوصفه عقلًا سياسيًا تشكّل عبر الزمن وبوصلةً حضاريةً تُقاس بها جودة القرار ورسوخ الدولة.
ذلك أن يوم التأسيس ليس لوحةً احتفاليةً تُعلَّق على جدار الذاكرة، بل لحظةٌ كاشفةٌ عن سرّ دولةٍ وُلدت من صلابة الصخر واتساع الصحراء ونُبل الرجال؛ دولةٍ تعلّمت أن تسبق العاصفة بالحكمة، وأن تُقابل الفوضى بالنظام، وأن تُحسن توظيف القوة حين تصير ضرورةً لصون الحق، لا حين تصير إغراءً لاستعراض الغلبة.
وفي هذا التمييز الدقيق بين الضرورة والإغراء كمنت الحكمة السياسية السعودية عبر ثلاثة قرون متعاقبة لم تتوقف فيها العواصف ولم تُقلَع فيها الجذور.
منذ أن أرسى الإمام محمد بن سعود في رحاب الدرعية عام ١١٣٩ه / ١٧٢٧م دعائم الدولة السعودية الأولى، وعقد تحالفه الإصلاحي التاريخي مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لم يكن المشروع الناشئ سعيًا إلى سلطانٍ عابر ولا تنافسًا على مُلكٍ محدود، بل كان تأسيسًا لكيانٍ يقوم على ثلاثيةٍ متوازنة لا تتزعزع: شرعيةٍ في المصدر، ووحدةٍ في الغاية، وإصلاحٍ في المنهج.
ومن هنا جاء اعتماد الثاني والعشرين من فبراير يومًا للتأسيس تأكيدًا لأصلٍ ضاربٍ في عمق الزمن؛ كشفًا للجذر لا اختراعًا للسرد، وتذكيرًا بأن الدول الكبرى لا تنبثق من الفراغ، بل تنبثق من فكرةٍ واضحة تُحيل الجغرافيا إلى وطن، والقبيلة إلى مجتمع، والمجتمع إلى دولةٍ تعرف لماذا وُجدت فلا تضيع في متاهة التاريخ.
على امتداد تلك القرون المتعاقبة، لم تكن المسيرة السعودية خطًا مستقيمًا منزوع المنعطفات، بل كانت درب المجاهدة الحقيقي؛ مسيرةً تتوالى عليها التحديات فتُجلّي معدنها، وتتكسّر على صلابة عقيدتها وعزتها الموجات المتلاحقة فتزداد رسوخًا ووضوحا في الهدف.
ففي خمسينيات القرن العشرين وستينياته، حين اجتاح المدّ القومي العربي المنطقةَ على امتداد وجدانها وارتفعت شعارات الوحدة والاشتراكية حتى كادت تُعتم على الحقائق وتُخفي ما تحتها من تناقضات صارخة، وُضعت المملكة في مرمى خطابٍ أيديولوجيٍّ اتخذ من التشنيع بديلًا عن التحليل ومن الاتهام أداةً للسياسة.
غير أن السياسة الرشيدة لا تُقاس بحرارة الخطب ولا بسخونة الهتاف، بل تُقاس بصبر البنّاء وبما يتركه البناء في الأرض من استقرارٍ راسخ ومؤسساتٍ صامدة.
آثرت الرياض حماية داخلها وتحصين هويتها وتعلية قيمة الدولة فوق فتنة الشعار، وحين جاءت هزيمة يونيو ١٩٦٧م انكشف الفارق المؤلم بين بريق الكلمات وصلابة الوقائع، وبين ضجيج التعبئة وحسابات القدرة الحقيقية.
لم تقف بعد النكسة موقف الشامت بل مدت يد العون والصلح في أول لقاء عربي في الخرطوم لرتق عار الهزيمة.
ثم جاء أكتوبر ١٩٧٣م فكان أحد أكثر فصول الحضور السيادي السعودي بروزًا وأثرًا في التاريخ الحديث كله.
حين اندلعت حرب أكتوبر وزأر المدفع العربي مسترجعًا كرامة الأرض المحتلة، اتخذ الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله قراره التاريخي الشجاع بوقف تصدير النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل.
لم يكن ذلك القرار اندفاعًا عاطفيًا تحرّكه حماسة اللحظة ولا مناورةً خطابية رخيصة، بل كان تقديرًا استراتيجيًا دقيقًا للّحظة وأدواتها ومآلاتها البعيدة؛ كيف تُستعاد مكانة القضية في ميزان العالم، وكيف تُترجم الإرادة السياسية إلى أثرٍ يُرى ويُحسّ بما يتجاوز حدود البيانات والمواقف المُعلنة.
لقد أعاد ذلك الموقف رسم معادلات الطاقة الدولية وصورة الدور العربي في النظام العالمي معًا، وأثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الحكمة لا تعني السكون المُستكين، بل تعني معرفة اللحظة التي يجب فيها أن تتحرك الدولة بثقلها الكامل دون أن تفقد اتزانها ورجاحة عقلها.
ومع مطلع عام ١٩٧٩م، واجهت المملكة اختبارًا مركّبًا متعدد الأوجه والاتجاهات: انتصار الثورة الإيرانية بخطابٍ أيديولوجيٍّ ذي حدّين ظاهره الديني وباطنه التوسعي الإقليمي، وفي العام ذاته حادثة اقتحام الحرم المكي الشريف التي هزّت وجدان الأمة الإسلامية حين أقدمت فئة مارقة عن الدين على تدنيس البيت الحرام.
كان التحدي أمنيًا وفكريًا في آنٍ واحد يطلب ردًا على المستويين معًا؛ فتعاملت الدولة بحزمٍ قانوني وأمني يعيد النظام إلى نصابه ويصون الحرمة من كل مساس، وانطلقت في الوقت عينه بمسارٍ مؤسسيٍّ يُعمّق الوسطية ويقاوم الغلوّ في منبته لا في ثمرته وحدها، إدراكًا راسخًا بأن صيانة المجتمع لا تُختصر في القبضة الأمنية مهما بلغت قوتها، بل تُبنى جوهريًا على ترسيخ الوعي وتجفيف منابع الانحراف ورفع ثقة الناس بمنظومة الدولة وعدالتها.
وفي تلك الحقبة ذاتها الحافلة بالتقاطعات الكبرى، حين اندلع الجهاد الأفغاني ضد الغزو السوفيتي عام ١٩٧٩م، وقفت المملكة مع شعبٍ مسلم يذود عن أرضه وكرامته في مواجهة آلةٍ عسكرية عظمى، وقدّمت دعمًا سياسيًا وإنسانيًا ومالياً واسعًا امتد سنواتٍ طويلة حتى انسحبت القوات السوفيتية عام ١٩٨٩م مُحمِّلةً خسائرها وراءها.
كان ذلك الموقف امتدادًا لقاعدةٍ أخلاقية متجذرة في العمق السعودي: الانحياز الصريح لحق الشعوب في دفع العدوان وصون السيادة وإغاثة المنكوبين وتضميد جراح الحروب البعيدة والقريبة على حدٍّ سواء.
وجاءت أزمة الخليج الكبرى عام ١٩٩٠م لتؤكد مبدأً راسخًا في الفلسفة السياسية السعودية لا تساوم عليه: رفض محو الدول والكيانات بقوة الغزو والاستيلاء.
فحين اجتاح النظام العراقي الكويت الشقيقة في أغسطس من ذلك العام مُعلنًا ضمها وإلغاء وجودها السيادي من الخارطة، تصدّرت المملكة المشهد الإقليمي والدولي دفاعًا عن الشرعية وحقوق الدول الصغيرة في الوجود والاستمرار، وفتحت أراضيها ضمن ترتيباتٍ دولية واسعة النطاق لتحرير الكويت، وأسهمت عسكريًا ولوجستيًا وإنسانيًا حتى عادت الكويت إلى أهلها وشرعيتها في فبراير ١٩٩١م.
لم يكن ذلك خيارًا تكتيكيًا عابرًا يحسبه ميزان المصلحة الآنية، بل كان موقفًا تأسيسيًا في معنى الدولة والمبدأ: الحدود ليست غنيمة تُنتزع بالقوة، والشرعية ليست ورقةً تُمزَّق بالدبابات، وأمن الخليج كلٌّ واحد لا يتجزأ ولا يُفرَّط فيه.
وعلى ضفةٍ أخرى من العالم الإسلامي، حين شهدت البوسنة والهرسك مآسي التسعينيات المروّعة وكانت مجزرة سريبرنيتسا عام ١٩٩٥م عنوانًا دامغًا لفداحة الإبادة العرقية الممنهجة في قلب أوروبا، لم تُحوِّل المملكة الألمَ الإنساني إلى بياناتٍ باردة ومواقف مكتبية، بل شاركت في إغاثة المنكوبين ودعم اللاجئين والمساهمة في إعادة البناء، ورفعت صوتها في المحافل الدولية مطالبةً بوقف الإبادة وحماية المدنيين.
كان ذلك امتدادًا طبيعيًا لقاعدةٍ أخلاقية لا تعرف الانتقاء الجغرافي: أن كرامة الإنسان المسلم والإنسان بوجهٍ عام ليست شأنًا بعيدًا ما دام الظلم يطرق أبواب الضعفاء في أيّ بقعةٍ من بقاع الأرض.
وفي قلب القضايا العربية جميعها، ظلّت القضية الفلسطينية في وجدان المملكة أمانةً تاريخية لا تُساوَم ولا تُفرَّط.
دعمت المملكة حقوق الشعب الفلسطيني سياسيًا وماليًا ودبلوماسيًا عبر عقودٍ طويلة، وأسهمت في جهودٍ عربية مشتركة لاسترداد الحق المغتصب واستعادة الأرض المحتلة، وقدّمت مبادراتٍ جريئةً للحل العادل.
وحين كثّفت غزة جراحها تحت وطأة الحصار والقصف المتكرر، بادرت المملكة بمئات الملايين من الدولارات للإغاثة وإعادة الإعمار ورمت بكل ثقلها السياسي لإنهاء الاعتداءات الصهيونية، مُحوِّلةً الموقف الثابت من شعارٍ مُعلَن إلى أثرٍ ملموسٍ على أرض الواقع المُعاش.
وحين أطلق الشعب السوري صرخته الحرة عام ٢٠١١م رافضًا آلة القمع ومطالبًا بالكرامة والحرية وحق الحياة، وقفت المملكة إلى جانب حقه في تقرير مصيره وقوفًا مبدئيًا واضح الرؤية لا تلوّن فيه ولا مراوغة.
دعمت المسار السياسي الذي يوقف نزيف الدم ويحفظ وحدة سوريا وسيادتها على أرضها، وقدّمت مساعداتٍ إنسانية ضخمة للملايين المهجّرين والنازحين، واستقبلت أعدادًا كبيرة من أبناء الشعب السوري ووفّرت لهم سبل العيش الكريم بعيدًا عن مآسي التهجير القسري.
كان ذلك كله ترجمةً عملية لقناعةٍ لا تتردد: لا استقرار حقيقيًا ولا سلام دائمًا لمنطقةٍ تُكسَر فيها إرادة الشعوب وتُستباح فيها المدن.
وعلى صعيد العطاء الإنساني الممتد، سطّرت المملكة العربية السعودية سجلًا استثنائيًا في المساعدات والمنح والقروض التنموية فباتت من أكبر الدول العالمية عطاءً وانتشارًا للخير والمعونة جغرافيًا.
امتد هذا العطاء الكريم إلى دولٍ عربية وإلى دولٍ إسلامية، وإلى مناطق الكوارث الطبيعية والنزاعات في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وجزر المحيطات النائية.
لم تكن تلك المساعدات مجرد بذلٍ ماليٍّ يُحرّكه فيض الثروة، بل كانت تجسيدًا لفلسفةٍ راسخة في فهم الدولة لدورها: أن الاستقرار لا يُشترى بالسلاح وحده، بل يُبنى بتخفيف الألم وإحياء الأمل وإسناد التنمية في أرجاء الأرض كلها.
وفي مطلع الألفية الثالثة، جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م لتفتح على المملكة أبوابًا واسعةً من الاتهام والضغط الدولي.
غير أن الوقائع الموثقة أثبتت أنها كانت من أوائل ضحايا الإرهاب لا من مصادره؛ إذ شهدت بين عامَي ٢٠٠٣ و٢٠٠٦م سلسلةً من الاعتداءات الدموية الداخلية استهدفت مواطنيها الأبرياء ورجال أمنها المخلصين.
فجاء الرد السعودي متكاملًا على جميع المستويات: تطويرٌ عميق للمنظومة الأمنية، وتشريعاتٌ صارمة لمكافحة تمويل الإرهاب، وبرامج رائدة للتأهيل الفكري وإعادة الدمج كبرنامج المناصحة الذي استقطب إعجاب الخبراء الدوليين ودراساتهم، وتعاونٌ دوليٌّ واسع لتجفيف منابع التطرف من جذورها.
لقد اختارت المملكة أن تُحارب الإرهاب بعقل الدولة الرشيد لا بفوضى الانتقام العاجل؛ بالقانون والمؤسسة والوقاية الفكرية والتأمين الميداني الذكي.
ثم جاءت رؤية السعودية ٢٠٣٠ عام ٢٠١٦م لتُعلن انتقال المملكة الكبير من اقتصاد الاعتماد الأحادي إلى اقتصاد التنوع المستدام، ومن الفرص المؤجلة إلى المشاريع المتحققة على الأرض.
فمشروعاتٌ الرؤية المادية والمعنوية والحضارية ليست زخرفةً إعلامية عابرة بل تجسيدٌ حقيقيٌّ لإرادةٍ وطنية تُعيد تشكيل المستقبل على أساسٍ متين من التخطيط الاستراتيجي والاستثمار الواسع والانفتاح الواعي على العالم.
ومع حضور المملكة الفاعل في مجموعة العشرين واستضافتها قمتها عام ٢٠٢٠م في ظروف استثنائية فرضتها جائحة كورونا، تعززت صورة الدولة بوصفها فاعلًا دوليًا لا يكتفي بمشاهدة الأحداث من بعيد، بل يُشارك فعليًا في صياغة مسارات الطاقة والاقتصاد والاستقرار الكوني.
وإذا كانت الجغرافيا قد وهبت المملكة موقعًا استراتيجيًا لا مثيل له، يجلس في قلب خارطة العالم القديم حيث يلتقي الشرق الآسيوي بالغرب الأوروبي والجنوب الأفريقي بالشمال المتوسطي، وتتقاطع عند حدودها وموانئها خطوط التجارة العالمية الكبرى منذ فجر الحضارة إلى يومنا، وتُطلّ على بحرين استراتيجيين لا يهدآن: البحر الأحمر شريان الملاحة الدولية والخليج العربي بؤرة توازنات الطاقة والأمن، فإن التاريخ قد وهبها ما هو أعمق من الموقع وأبقى من المورد: شرف احتضان الحرمين الشريفين، وجهة قلوب ما يربو على ملياري مسلم يتجهون إليها في كل صلاةٍ وكل دعاء.
وهذه المكانة الروحية الفريدة التي لا تشاركها فيها دولةٌ أخرى في العالم لا تُضيف إلى الثقل السياسي والاقتصادي بعدًا حضاريًا فحسب، بل تُحمِّل الدولة مسؤوليةً مضاعفة في خدمة الإنسان وصون المقدسات ومدّ الجسور الحضارية بين الأمم والشعوب.
وما كان لهذه الدولة أن تبلغ ما بلغته لولا أنها قامت على أصلٍ لا تتزعزع الأمم بثباته ولا تُستباح بحصانته؛ ذلك الأصل هو صفاء العقيدة الإسلامية التي شكّلت وجدان هذه الأرض وعقل ساكنيها وحرّكت ضمائرهم نحو الحق والعدل والبناء على امتداد القرون.
فالإسلام في هذه الربوع الكريمة ليس مجرد شعيرةٍ تُؤدّى في أوقاتٍ مخصوصة ثم يُطوى فضاؤها، بل هو نسيجٌ حيٌّ يسري في شرايين الحياة كلها؛ في القضاء والسياسة والاقتصاد والأخلاق، في صلة الإنسان بربه وصلة المواطن بوطنه وصلة الدولة بإنسانيتها الرحبة.
وقد منح هذا الأصلُ الراسخ المملكةَ ما لا يُشترى بثروةٍ ولا يُكتسب بغلبة: مرجعيةً أخلاقيةً تُقيّد السلطة وترشد القرار وتُبقي البوصلة ثابتة في وجه إغراءات التاريخ ومزالق القوة المطلقة.
فالدولة التي تعرف لماذا وُجدت لن يُضلّها الطريق مهما تشعّبت المسالك وتقاطعت الأهواء وتشابكت الضغوط.
ويُعمّق هذا الأصلَ الدينيَّ أصلٌ حضاريٌّ عريق: عراقة العرب وأصالة هويتهم التي صمدت أمام موجات الغزو والإقصاء والاستبدال عبر آلاف السنين دون أن تُفقد هويتها ودون أن تتبدّل جوهرها.
فالعربي ابن بيئةٍ صاغته على الصبر والشهامة والوفاء والكرم والفروسية؛ قيمٌ لم تكن يومًا مجرد مديحٍ شعريٍّ في قصائد المعلقات، بل كانت نظام حياةٍ فعليٍّ اختبره الزمن الطويل وزكّاه في الأفراح والمحن سواء.
واللغة العربية، ذلك اللسان البيان الذي اختاره الله وعاءً خالدًا لكلامه الكريم، هي وحدها بين لغات البشر جمعت بين معجزة الوحي وامتداد التاريخ؛ حملت القرآن الكريم ثم حملت حضارةً بأسرها أنارت ظلمات العصور الوسطى وأمدّت النهضة الأوروبية بجذور علمية وفلسفية لا تزال حيّةً إلى يومنا.
وفي أبناء هذه الجزيرة يتجلى ذلك الإرثُ الحيُّ المتجدد؛ فالسعودي الذي يمشي اليوم في ممرات مشاريعه الحضارية أو يمثّل بلاده في منبرٍ دولي بارز، إنما يمشي وفي دمه قرونٌ متراكمة من العزة والإباء والكبرياء الأصيل.
وتمتلك المملكة العربية السعودية من الثروات الطبيعية والبشرية والحضارية ما جعلها محطّ أنظار العالم ومحور حساباته.
فهي من أكبر الدول امتلاكًا للاحتياطيات النفطية المؤكدة وأبرز اللاعبين في أسواق الطاقة العالمية.
غير أن ثروتها الحقيقية الأعمق لا تُقاس بما تُخرجه الأرض من نفطٍ وغاز ومعادن وإن عظم شأنه وبلغ أثره الأمد البعيد، بل تُقاس أيضًا بما يمتلكه الإنسان السعودي من طاقةٍ إبداعية لم يُستنفَد معينها بعد، وبما تزخر به الأرض السعودية من تنوعٍ جغرافيٍّ مذهل يمتد من سواحل البحر الأحمر ذات الشعاب المرجانية الخلّابة إلى قمم جبال عسير الخضراء المكسوّة بالضباب، ومن فضاءات الربع الخالي الشاسعة ذات الجلال المهيب إلى واحات الأحساء العريقة التي سجّلتها اليونسكو تراثًا إنسانيًا للبشرية جمعاء إلى شمالها الفسيح إلى شموخ هضبتها العالي في نجد.
وتُضاف إلى ذلك ثروةٌ أثريةٌ لا تُقدَّر بثمن، تجلّت في حضارة الحِجر ومدائن صالح ومملكة دادان وطرائق البخور الأسطورية القديمة، إذ تكشف الأبحاث في كل موسمٍ جديد عن طبقاتٍ حضارية باهرة تُعيد كتابة فصول نشأة الإنسان وهجراته الكبرى وتُصحّح ما كان مغلوطًا في سجلاتٍ كثيرة.
بيد أن أعظم ثروات المملكة قاطبةً وأبقاها أثرًا في مسيرة التاريخ، وما يجعل كل هذه المقوّمات تتحوّل من إمكاناتٍ مجردة إلى واقعٍ يُعاش ومجدٍ يُبنى يومًا بعد يوم، هو ما تنعم به من قيادةٍ رشيدة حكيمة امتدت خيوطها الذهبية عبر الأجيال المتعاقبة لم تنقطع ولم تتناقض في جوهرها، وشعب وفي مخلص لدينه ووطنه وملكه.
منذ أن حمل الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله مشعل التوحيد وأعاد بناء الدولة من الصفر بإرادةٍ فولاذية لا تعرف الاستسلام ووعيٍ استراتيجيٍّ يدهش المتأمل في ملابسات تلك الحقبة العسيرة، وصولًا إلى قيادة الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله التي تجمع بين ثقل التاريخ الذي عاشه ورزانة الخبرة التي راكمها وعمق الرؤية التي تُضيء مساراتٍ كان الضباب يكتنفها، ثم الزخم التحولي المذهل الذي يُضخّه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في شرايين الدولة والمجتمع بيدٍ تجمع ثقة الراسخ في موروثه وجرأة المؤمن بمستقبله ووضوح الرائي الذي يُميّز بين ما هو مقدّس ثابت وما هو متحوّل قابل للتطوير والتجاوز؛ إن هذه السلسلة المتصلة من القيادة الرشيدة لتمثّل ظاهرةً نادرة في تاريخ الأمم كلها لا تتكرر بسهولة.
فالقائد الحقيقي لا يُقاس فقط بما يبني في عهده، بل بما يغرسه في الأجيال من قيمٍ ومنهجٍ وثقةٍ تجعل الدولة تمضي صاعدةً حتى حين تشتدّ العواصف وتتكاثر العقبات.
وتلك هي الخلاصة الذهبية للحكمة السعودية عبر أجيالها المتعاقبة: أنها لم تفصل يومًا بين إرث الأجداد وطموح الأحفاد، بل جعلت من التواصل العضوي بينهما جسرًا مُحكَم البناء يُعبَر نحو المستقبل الأرحب لا حاجزًا يحول دون الطموح أو يُثبّط إرادة التجاوز.
يوم التأسيس إذن ليس احتفاءً بذكرى تُقلَّب صفحاتها ثم تُطوى في أدراج النسيان، بل هو تجديد عهدٍ راسخٍ مع مسيرةٍ لم تنقطع ولن تنقطع ما دامت هذه الأرض تُنبت الرجال وتُخرج الحكماء.
إنه تذكيرٌ حيٌّ بأن الدولة التي انطلقت من الدرعية قبل ثلاثة قرون، ثم توحّدت على يد عبد العزيز رحمه الله في مسيرةٍ إعادة توحيدٍ مكلّلة بالعزم والتوفيق حتى أعلن المملكة عام ١٩٣٢م، لم تكن كيانًا عابرًا في سجلّ المنطقة المضطرب، بل كانت ولا تزال مشروعًا حضاريًا خالدًا يتجدد بتجدد الأجيال ويزداد عمقًا وثراءً بتراكم التجارب وتزاحم الاختبارات.
وسيُكتب في سجلات التاريخ الكبرى بمداد الحقيقة الصادقة لا بمداد التمني الزائف، أن ثمة دولةً في قلب العالم وقفت مع المظلوم حين خذله العالم بأسره، ووقفت مع الحق حين أُغري الآخرون بالباطل اللامع، وحين مالت حولها الريح من كل اتجاه لم تنحنِ، وحين تكالبت عليها الظلمات أشعلت نارًا أبت أن تُطفأ ولن تُطفأ.
تلك هي المملكة العربية السعودية؛ ثابتة الجذور بعقيدتها الصافية وعروبتها العريقة، غنيةٌ بأرضها وإنسانها وموقعها ومكانتها الروحية الفريدة، حكيمةٌ بقيادتها التي تحوّل الإمكانات إلى مجدٍ مُشيَّد والتحديات إلى فرصٍ لا تُستنفَد، ماضيةٌ من مجدٍ إلى مجدٍ أعلى، تكتب فصلها القادم بوعي التاريخ وثقة الحاضر وإشراقة الغد الآتي لا محالة بحول الله وقدرته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك