يعتبر الحكم الذاتي في كتالونيا أرقى أنواع الحكم الذاتي في العالم، إذ لا يوجد في كتالونيا من رموز مملكة إسبانيا ما عدا العلم فقط وبعض التعاملات الأخرى المنصوص عليها في الدستور، لكن غير مطبقة على أرض الواقع.
ورغم هذه الحرية الموسعة التي تتمتع بها مقاطعة كتالونيا مثل الانتخابات، التصرف في الثروات ووجود نظام برلماني مستقل إلا أن الشعب الكتلاني ثار في سنة 2017م، ونظم استفتاًء لتقرير المصير، ورغم فشل ذلك الاستفتاء إلا أن الشعب الكتلاني لا زال يطالب بالاستقلال وبتقرير المصير ومُصر على إقامة دولة مستقلة.
ماذا يعني هذا؟ لماذا يرفض الشعب الكتلاني أحسن صيغة في العالم من الحكم الذاتي؟ ببساطة لأن الحكم الذاتي في العالم فشل فشلا ذريعا، ولا يمكن تطبيقه مَهما كان مُحسنا ومُنمقا.
قبل كتالونيا فشل الحكم الذاتي في جنوب السودان الذي حصل على الاستقلال لاحقا، وفشل في العراق وفشل في كل الأماكن التي حاولوا تطبيقه فيها.
هذا يقود إلى أن محاولة المغرب إعطاء حكما ذاتيا للصحراويين هي مناورة فاشلة لأسباب كثيرة.
إذا كان الحكم الذاتي، المحمي بدستور إسباني قوي، فشل في كتالونيا التي تتمتع بكل صلاحيات دولة مستقلة، وتتعامل مع نظام ديمقراطي محمي من طرف الاتحاد الأوروبي، فكيف سينجح حكم ذاتي مع نظام ديكتاتوري، شمولي في المغرب بلا قانون وبلا مؤسسات، معروف بقسوته مع شعبه؟النقطة الثانية المهمة هي أن الحكم الذاتي ليس شكلا من اشكال تقرير المصير وغير ديمقراطي، ما دام لا يسمح للشعب الصحراوي بالتصويت.
وحتى إذا تجاوزنا هذه الإشكالات المطروحة، فوثيقة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب مؤخرا لا يمكن اعتبارها وثيقة جادة للحكم الذاتي.
هي وثيقة من أربعين صفحة فقط، بينما وثيقة الحكم الذاتي في كتالونيا فيها تسعين صفحة، رغم اختلاف قضية الصحراء الغربية وقضية كتالونيا، ورغم اختلاف المساحة والتاريخ.
فمساحة الصحراء الغربية تكبر مساحة كتالونيا ثماني مرات تقريبا، والصحراء الغربية لم تكن في أي يوم من الأيام جزءا من المغرب، بينما كتالونيا ظلت دائما جزءا من إسبانيا.
لنقارن مثلا بين بعض النقاط في الحكم الذاتي لكتالونيا مع نقاط أخرى من الحكم الذاتي المغربي.
في وثيقة الحكم الذاتي لكتالونيا يتم الاعتراف بالأمة الكتالونية، ويتم الاعتراف بالشعب الكتلاني وبالعلم الكتلاني، وبالنشيد الكاتلاني وبالعيد الوطني الكتلاني.
بالنسبة للانتخابات-المادة 67- ينتخب رئيس كتالونيا ديمقراطيا من طرف برلمان كتالونيا المنتخب.
بالنسبة للموضوع الآخر المهم هو موضوع الثروات، تنص المادة 132 “على أن كتالونيا تملك صلاحية تنفيذية وتنظيمية في مجال:
• استكشاف واستغلال الموارد التعدينية الموجودة داخل أراضيها.
• إدارة ومنح التراخيص المتعلقة بالمناجم والموارد الجيولوجية.
• الإشراف البيئي والتنظيم الإداري لعمليات الاستخراج”.
إذا عرجنا على وثيقة المغرب للحكم الذاتي لا نجد إلا المهازل: لا يوجد اسم للشعب الصحراوي ولا للأمة الصحراوية ولا للعلم ولا للنشيد، ولا توجد انتخابات، وتصل المهزلة إلى قمتها حين نجد ما يلي: “يرأس الجهاز التنفيذي الجهوي في الصحراء رئيس حكومة يُعيَّن رسمياً من قبل الملك وفق الآلية المقترحة من المغرب، القائمة على نظام تعيين مؤسسي مؤطر لضمان الانسجام الدستوري ووحدة الدولة”.
بالنسبة للثروات، الموضوع المهم، يستولي عليها المغرب كلها ولا يترك للصحراويين ما عدا التصرف في الرمال.
إذن، هذه الوثيقة التي يقدم المغرب لم ترضِ حلفاؤه ولم ترض الأمم المتحدة فكيف سترضي الشعب الصحراوي الذي قدم التضحيات على مدى تاريخ طويل؟ الشيء الوحيد الذي تسمح به الوثيقة المغربية للشعب الصحراوي هو التصرف في تجميع قمامة الشوارع وفتح قنوات الصرف الصحي وتنظيم مهرجانات للثقافة الحسانية.
نحن أمام مجرد مسرحية مغربية لربح الوقت، لكن حتى محاولة ربح الوقت لم تعد تجدي نفعا.
يجب أن ينتبه العالم لشيء مهم وهو أن التفكير في محاولة فرض الحكم الذاتي في الصحراء الغربية ستكون عواقبها خطيرة، اخطر من عواقب الوضع الحالي، وقد تقود إلى تفجير منطقة شمال غرب إفريقيا كلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك