منذ سنواتٍ طويلة، يكاد يتكرر المشهد ذاته مع كل وزير إسكان جديد يتولى المسؤولية؛ تبدأ المرحلة بحركة تغييرات واسعة بين رؤساء أجهزة المدن الجديدة وقيادات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وكأن أول مظاهر الإدارة هو إعادة تشكيل الأشخاص لا مراجعة السياسات أو تقييم الأداء على أسس علمية واضحة.
ومع تولي المهندسة راندا المنشاوي مسؤولية وزارة الإسكان، بدا أن هذا النمط الإداري يتكرر مرة أخرى بوتيرة متعجلة، بعدما طالت التغييرات عددًا من رؤساء أجهزة المدن الجديدة دون إعلان معايير محددة أو نتائج تقييم موضوعي تبرر الإبقاء أو الاستبعاد.
وهو المشهد ذاته الذي سبق أن شهده القطاع خلال فترة الوزير السابق شريف الشربيني، حين تحولت التغييرات الإدارية إلى قاعدة ثابتة بدل أن تكون استثناءً مرتبطًا بالقصور الحقيقي.
المشكلة هنا لا تتعلق بالأشخاص، فالتغيير في ذاته ليس خطأ، بل قد يكون ضرورة أحيانًا.
لكن الإدارة الحكيمة لا تبدأ بالإقصاء قبل الفحص، ولا بإلغاء ما سبق قبل قياس نتائجه.
فالمدن الجديدة ليست ملفات مكتبية يمكن تعديلها بقرار إداري سريع، بل كيانات عمرانية حية تحتاج إلى استقرار إداري يسمح بالمتابعة والتراكم والخبرة المؤسسية.
إن أخطر ما يهدد المدن الجديدة ليس نقص المشروعات، بل غياب الاستمرارية.
فالمدينة التي لا تُتابَع زراعتها يوميًا تتحول تدريجيًا إلى مساحات جافة، والتي تُهمل نظافتها وصيانتها تفقد قيمتها العمرانية مهما بلغت تكلفة إنشائها.
التنمية الحضرية عملية رعاية مستمرة، لا مجرد افتتاحات أو قرارات نقل وتبديل.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: على أي أساس تتم هذه التغييرات؟ هل هناك مؤشرات أداء معلنة؟ هل خضعت الأجهزة لتقييم ميداني حقيقي؟ أم أننا أمام محاولة متكررة لوضع “بصمة جديدة” حتى ولو جاء ذلك على حساب الاستقرار المؤسسي؟لقد أصبح من الملاحظ أن كثيرًا من وزراء الحكومات المتعاقبة لا يبنون على ما تركه أسلافهم، بل يبدأ كل منهم من نقطة الصفر، وكأن الإنجاز السابق عبء يجب التخلص منه لا خبرة ينبغي تطويرها.
وهنا يتحول الإصلاح إلى هدمٍ متكرر، وتضيع سنوات من العمل والخبرة فقط لإثبات حضور إداري جديد.
الدولة الحديثة لا تُدار بالأمزجة، بل بالأنظمة.
والاستراتيجية الحقيقية هي التي تبقى ثابتة مهما تغير المسؤولون، بحيث تظل عين الدولة حاضرة تراقب الإنجاز وتحاسب التقصير وتحافظ على ما تحقق، لا أن يُعاد تشكيل المشهد مع كل تغيير وزاري.
إن مصر لا تعاني نقص المشروعات بقدر ما تعاني انقطاع التراكم.
ولو أُديرت ملفات المدن الجديدة بعقلية مؤسسية علمية تحافظ على الصحيح وتصحح الخطأ، لكانت كثير من هذه المدن اليوم نماذج مكتملة لا مشروعات تبحث دائمًا عن بداية جديدة.
ويبقى السؤال المؤجل: متى يتوقف مسلسل الهدر الإداري وإضاعة الفرص؟ ومتى نصل إلى إدارة استراتيجية لا تتغير بتغير الأشخاص، بل تحكمها رؤية دولةٍ تعرف أن البناء الحقيقي يبدأ من الاستمرار.
لا من إعادة الهدم؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك