لم يعد العمل الخيري في المغرب كما كان قبل عقد من الزمن.
فقد شهدت مؤسسات عديدة تحولاً ملحوظاً نحو اعتماد معايير تنظيمية وشهادات مطابقة دولية في تدبير أموال الزكاة، في سياق عام يتسم بارتفاع مطالب الشفافية وتعزيز الحكامة.
هذا التحول يمكن اعتباره تطوراً إيجابياً في جانب منه، إذ لا خلاف حول أهمية ضبط المساطر، وحماية أموال المتبرعين، وضمان تتبع الموارد والمصاريف وفق قواعد واضحة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس تقنياً بقدر ما هو قيمي: هل تكفي المعايير لضمان عدالة وأثر الزكاة؟ أم أن الإفراط في التقنين قد يهدد بتحويلها إلى عملية إدارية صرفة؟بين الكفاءة الإجرائية والأثر الاجتماعي.
العمل بمعايير معترف بها دولياً يمنح المؤسسات إطاراً تنظيمياً واضحاً، ويساعدها على ترسيخ صورة الاحترافية.
لكن التجربة الميدانية تُظهر أن جودة الإجراءات لا تعني بالضرورة جودة النتائج.
فقد تكون المؤسسة منضبطة في أرشفة الوثائق، دقيقة في التقارير، متقنة في مسارات التدقيق… دون أن ينعكس ذلك دائماً في أثر تنموي مستدام على الفئات الهشة.
الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الشهادات المحصلة، بل في القدرة على إحداث تغيير ملموس في حياة الناس: تمكين، إدماج، تحسين شروط العيش، واستعادة الكرامة.
اعتماد المعايير الدولية يتطلب موارد مالية وبشرية وتقنية ليست في متناول جميع الجمعيات، خصوصاً المحلية منها.
وهنا يبرز تخوف مشروع: أن يتحول الامتثال للمعايير إلى عامل تمييز غير مباشر بين فاعلين كبار قادرين على تحمل تكلفتها، وآخرين يشتغلون بإمكانيات محدودة في القرى والمناطق الهامشية.
إن خطر هذا المسار لا يكمن في وجود المعايير ذاتها، بل في إمكانية أن تتحول إلى بوابة احتكار رمزي للثقة، حيث تُفضَّل المؤسسات “المعتمدة” على حساب أخرى قد تكون أكثر التصاقاً بالحاجيات الفعلية للسكان.
في نهاية المطاف، تبقى الثقة في العمل الخيري مسألة تراكم ومصداقية أكثر منها مسألة اعتماد شكلي.
صحيح أن الشهادات تعزز الاطمئنان، لكنها لا تعوّض القرب من المستفيدين، ولا تحل محل الالتزام الأخلاقي المستمر.
الزكاة، في جوهرها، ليست مجرد آلية تحويل مالي منظم، بل ممارسة اجتماعية تؤسس لعلاقة تضامن حقيقية بين أفراد المجتمع.
وأي تحديث لمنظومة تدبيرها ينبغي أن يحافظ على هذا المعنى، لا أن يختزله في أبعاد تقنية بحتة.
لا يتعلق الأمر برفض المعايير أو التقليل من أهميتها، بل بالدعوة إلى مقاربة متوازنة تجعل من التنظيم أداة في خدمة المقصد، لا بديلاً عنه.
فالحكامة الجيدة مطلوبة، لكن الحكامة الخالية من البعد الإنساني قد تتحول إلى بيروقراطية باردة.
التحدي اليوم هو بناء نموذج خيري يجمع بين الانضباط الإداري والعمق القيمي، بين المهنية وروح الرسالة، بين الشفافية والأثر الاجتماعي الحقيقي.
فالمعيار الأسمى لنجاح الزكاة لن يكون في عدد شهادات المطابقة، بل في قدرتها على تقليص الهشاشة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ ثقافة التكافل التي تشكل أحد أعمدة المجتمع المغربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك