لم تكن كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن اعتيادية، ففي الخطاب الذي قوبل بتصفيق أوروبي حار، قال إن الولايات المتحدة كانت ولا تزال" طفلة أوروبا" في توصيف لعلاقة تاريخية معقدة بين الطرفين.
عبارة قرأها بعضهم طمأنة لأوروبا القلقة من الانكفاء الأميركي، فيما رأى فيها آخرون إيذاناً بمرحلة فراق صعب، لكن المؤكد أن العلاقة تمر بتحول جذري مع إدارة دونالد ترمب.
" اندبندنت عربية" أجرت مقابلة مع سيليست والاندر مساعدة وزاير الدفاع الأميركي الأسبق للحديث عن مستقبل التحالف الغربي، وانطلاقاً من خطاب روبيو، قالت والاندر إن" نبرة الوزير وأسلوبه كانا مناسبين جداً لحوار مع حلفاء وشركاء، ولقي ترحيباً أوروبياً.
الفارق عن نبرة العام الماضي لنائب الرئيس جي دي فانس كان واضحاً ومقصوداً"، لكنها أضافت ملاحظة مهمة وهي أن الأسلوب تغير، أما الرسالة فلم تتغير.
تقر مساعدة وزير الدفاع الأميركي الأسبق بوجود تحسن في الأسلوب، لكنها تؤكد أن جوهر السياسة لم يتبدل.
فالولايات المتحدة، بحسب قولها، تمتلك تصوراً واضحاً لما تريده من أوروبا: تقاسم أكبر للأعباء والمسؤوليات الأمنية، وأن تكون أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها بمفردها.
وتصف ذلك بأنه" تراجع في الدور التقليدي، لأن الولايات المتحدة وأوروبا عملتا معاً طوال قرن في الدفاع عن بلداننا".
عندما يقول وزير خارجية أميركا، إن بلاده" طفلة أوروبا"، هل يعني ذلك نهاية لدورها" كشرطي العالم"، تجيب والاندر بأن الرئيس ترمب ومسؤولي إدارته كانوا واضحين بشأن ذلك، والولايات المتحدة تقول إنها لا تزال تقدّر حلف" الناتو"، وستواصل توفير المظلة النووية الموسعة لأوروبا، لكن الرئيس ترمب والوزير روبيو وزير الدفاع هيغسيث، أكدوا جميعاً بوضوح أن على أوروبا الدفاع عن نفسها وحدها".
ومن أولى النتائج العملية لهذا التوجه، تخلي الولايات المتحدة عن ثلاث قيادات كبرى داخل حلف" الناتو" لمصلحة دول أوروبية، بينها قيادة الأطلسي لبريطانيا، وفق تقرير لصحيفة" تلغراف".
وتعلق المسؤولة الدفاعية السابقة قائلة إن" هذا تطور مهم.
لطالما كان هناك تقاسم للقيادات داخل الناتو، فالحلف يضم 32 دولة وتتوزع المسؤوليات وفرص القيادة بينها.
لكن القيادات التي أشرت إليها بالغة الأهمية".
وأضافت، " هذه القيادات تتطلب مستوى عالياً من الخبرة وسلطة على تشكيلات عسكرية متعددة، إضافة إلى إلمام وثيق ليس فقط بخطط الناتو، بل بالخطط العسكرية الأميركية أيضاً.
لذا نعم، هذه إشارة مهمة إلى تنفيذ الهدف المعلن بأن تتولى أوروبا مسؤولية الدفاع عن نفسها".
وتستبعد والاندر أن يكون التحول في تموضع القوات الأميركية مرتبطاً بملف الاستحواذ على غرينلاند، إذ تقول إن تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا ليس فكرة طارئة، بل هو مسار بدأ في الولاية الأولى لترمب، وأُعيد تأكيده بعد انتخابه لولاية ثانية.
ما يجري اليوم تنفيذ لسياسة أُعلنت سابقاً.
الهدف، كما تشرحه، هو إعادة ترتيب الأولويات في تموضع القوات الأميركية حتى تكون أكثر تفرغاً للشؤون العسكرية في نصف الكرة الغربي.
أما غرينلاند فهي قضية منفصلة، يبررها البيت الأبيض باعتبارات تتعلق بمنع الصين من الوصول إلى إقليم قريب من الحدود الأميركية.
وأوضحت المسؤولة السابقة بأن" الأوروبيين يدركون أن هذا توجه استراتيجي لإدارة ترمب، وأن الرئيس لن يتراجع عن تقليص الدور الأميركي في أوروبا مع الاستمرار في الضغط عليها لتتمكن من الدفاع عن نفسها، بدعم أميركي احتياطي، ولكن من دون قيادة أميركية متقدمة".
وقالت، إن" الأوروبيين لا يرحبون بهذا التحول، لكنهم يفهمونه.
وقد بدأوا بالفعل في وضع سياسات للتكيّف معه، من بينها تعزيز مشتريات الدفاع وزيادة حجم قواتهم المسلحة.
استمعت هنا في ميونيخ إلى إحاطات عدة حول خطط توسيع القوات البرية والبحرية والجوية الأوروبية.
إذن هم سيردون، ليس لأنهم يعتبرون ذلك نتيجة جيدة، بل لأنهم يدركون أنه الواقع الذي يتعين عليهم التعامل معه".
وبالانتقال إلى القضية الأوكرانية، قال زيلينسكي في مؤتمر ميونيخ، إن واشنطن تمارس ضغطاً كبيراً على كييف لتقديم تنازلات، بينما تطالب موسكو بالقليل، وهو تقييم تراه المسؤولة السابقة في عهد بايدن" عادلاً" لأن أوكرانيا" طُلب منها أن تقدّم تنازلات كثيرة وأن تقبل بالخسائر.
ورغم الدعم العسكري والمالي الكبير الذي قدمته واشنطن لكييف، فإن العلاقة لم تخلُ من التوتر.
تذمر زيلينسكي لم يقتصر على إدارة ترمب، بل سبق أن وجه انتقادات غير مباشرة لإدارة جو بايدن، حتى اضطر الأخير إلى مطالبته علناً بإظهار قدر من الامتنان.
لكن والاندر تقول، إن إدارة ترمب طلبت من كييف أن" تقترب من المواقف التفاوضية الروسية أكثر مما طُلب من موسكو أن تقترب من المواقف الأوكرانية"، وأضافت، " الواقع أن روسيا أقدمت على الغزو وانتهاك القانون الدولي، ولذا فمطالبة الأوكرانيين بمكافأة معتد ينتهك القانون الدولي أمر مرير للغاية بالنسبة لهم".
الحشد العسكري ضد إيران غير اعتيادي.
بالانتقال إلى الشرق الأوسط، سألنا والاندر عن نشر الولايات المتحدة حاملتي طائرات في المنطقة، وما إذا كان هذا الحشد يشير إلى استعداد لضربات محتملة ضد إيران، أم إن أي عملية تستهدف تغيير النظام ستتطلب موارد أكبر بكثير وتموضعاً عسكرياً مختلفاً جذرياً؟تقر مساعدة وزير الدفاع السابقة، بأن" نطاق الانتشار المعلن كبير، ويتجاوز ما اعتادت الولايات المتحدة نشره في السابق لاعتراض صواريخ إيرانية موجهة نحو إسرائيل أو نحو القوات الأميركية المنتشرة في دول مختلفة في الشرق الأوسط، وهذا يوحي بإمكانية وجود خطة عسكرية جدية قد تُنفذ ضد إيران".
وقالت والاندر، إن" تنوع الانتشار وحجمه ونطاقه وإن لم يكن غير مسبوق تماماً يظل غير اعتيادي، وهذا يشير على الأقل إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لتنفيذ مثل هذه الخطة، أو ربما تعتزم فعلاً القيام بذلك.
لذلك أعتقد أن الأمر ينبغي أن يُؤخذ بجدية كبيرة".
غموض نيات ترمب تجاه إيران مربك لعواصم المنطقة، فبين رسائل التفاوض ورفع سقف التهديد، يصعب الجزم إن كان الرئيس الأميركي يمضي نحو صفقة جديدة أم مواجهة مفتوحة، أو يستخدم الخيارين معاً كأدوات ضغط.
ترى والاندر أن" قيادات دول المنطقة تتمتع بعلاقات ممتازة مع البيت الأبيض، ولا بد من وجود مشاورات وثيقة مع وزارة الدفاع، أو الحرب ووزارة الخارجية، ومع البيت الأبيض، لفهم أهداف هذه السياسة والتحركات العسكرية الجارية، وأعتقد أن العلاقات القوية تساعد قيادات تلك الدول على فهم نيات الإدارة الأميركية بشكل أفضل، وكيف تعتزم التعامل مع هذا التطور الجديد في الشرق الأوسط".
ترى المسؤولة السابقة أن الغموض الاستراتيجي قد يكون مفيداً في أزمات محددة، لكنه يصبح عبئاً عن مواجهة خصم مثل روسيا، فالوضوح في الالتزام بالدفاع عن المصالح الأميركية في الداخل والخارج، أمر بالغ الأهمية، وقالت، " آمل أن تحرص الإدارة الأميركية على إيصال هذا النوع من الرسائل الواضحة، حتى في ظل تطور التحالف عبر الأطلسي".
وعما إذا كانت التحولات في علاقة أوروبا وأميركا تمثل نهاية التحالف الغربي، قالت والاندر، " أعتقد أننا نشهد نهاية التحالف عبر الأطلسي.
نحن أمام واقع جديد حيث يرى القائد التاريخي لهذا التحالف على الأقل في ظل إدارة ترمب، ضرورة أن يمارس قيادته بصورة أكثر مباشرة وإبرازاً للقوة مقارنة بإدارات سابقة".
وتوضح أن مصير التحالف لا يتوقف على واشنطن وحدها، بل على تصرفات الحلفاء الأوروبيين، وكذلك على سلوك الخصوم، وعلى رأسهم روسيا.
ما إذا كان التحالف سيتفكك أم سيتكيّف مع الظروف الجديدة، مسألة مفتوحة.
لكنها تعود لتشير إلى أن نبرة روبيو في ميونيخ فتحت الباب أمام مسار تطور بنّاء، وهو المسار الذي تأمل دعمه.
ينقسم المختصون في دوائر تحليل السياسة الخارجية حول مدى تأثير سياسة ترمب على أميركا في المدى الطويل، بعضهم يرونها مؤثرة وعميقة، وآخرون يحذّرون من المبالغة، تقول والاندر، " ما أسمعه هنا في مؤتمر ميونيخ للأمن هو وجود تغييرات كبيرة في تقييمات الدول للولايات المتحدة، هناك تساؤلات حول مدى موثوقيتنا، وحول طبيعة تحركاتنا المحتملة.
والمستقبل لا يتشكل فقط بما تفعله الولايات المتحدة، بل أيضاً بسياسات الدول الأخرى استجابة لذلك".
وأقرت المسؤولة السابقة باحتمال أن تتجه الدول إلى تنويع علاقاتها بعيداً من أميركا، قائلة" أعتقد أننا سنشهد دولاً كثيرة تنوّع علاقاتها، وتقلل اعتمادها على التجارة والتمويل الأميركيين، وفي بعض الحالات، خفض الاعتماد على الصناعات الدفاعية الأميركية وشراء القدرات العسكرية منها، كما أن دولاً عدة قد لا تعوّل دائماً على استعداد الولايات المتحدة للمشاركة في عمليات عسكرية مشتركة.
إذن التكيف لن يكون من جانب واشنطن فقط، بل من جانب الحلفاء والشركاء أيضاً".
وعما إذا كانت الولايات المتحدة اليوم في موقع أفضل مما كانت تحت إدارة بايدن، حيث عملت مساعدة لوزير الدفاع، قالت، " من الصعب الحكم، فالأمر لا يتعلق فقط بما تفعله الولايات المتحدة، بل أيضاً بما يفعله الأصدقاء والخصوم.
من الممكن أن تستغل قوى مثل روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية هذه المرحلة من التغيير وعدم اليقين لمحاولة تحقيق مكاسب.
وأتمنى أن الثقة القائمة بين الحلفاء والشركاء في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ، وكذلك في الشرق الأوسط، تساعدنا على تجاوز هذه المرحلة الانتقالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك