لم يعد شهر رمضان في غزة كما كان في السابق، فالأجواء التي كانت تمتلئ بالبهجة والاستعدادات المبكرة لاستقبال الشهر الفضيل تراجعت أمام واقع إنساني واقتصادي بالغ القسوة.
فالسفرة التي كانت رمزاً للكرم ولم الشمل خلال الشهر الفضيل، باتت اليوم عنواناً للقلق اليومي والسعي المتواصل لتأمين الحد الأدنى من الطعام، في ظل نزوح واسع ودمار طاول المنازل ومصادر الرزق.
وفي أحياء النزوح والخيام، تغيرت ملامح رمضان بشكل واضح، لم تعد الأسواق تعج بالمتسوقين كما كانت ولا الخيام تفوح منها روائح الأطعمة كما في السابق قبيل أذان المغرب، كثير من العائلات باتت تدخل الشهر وهي مثقلة بالهموم وتبحث عن وسيلة لتأمين وجبة إفطار متواضعة تحفظ كرامتها وتمسك رمق أطفالها.
ووسط هذه الظروف، تحولت" سفرة رمضان" من مساحة للفرح والتلاقي إلى معركة يومية مع الغلاء وانعدام الدخل، في وقت تكشف حكايات الغزيين حجم التحوّل الذي طرأ على تفاصيل الحياة.
وقال الفلسطيني خالد الهمص، الذي نزح من مدينة رفح جنوب القطاع إلى دير البلح في الوسط: " كانت سفرة رمضان بالنسبة لنا مناسبة للفرح ولمّ الشمل، أما اليوم فأصبحت رحلة كفاح يومية، أستيقظ كل صباح وأنا أفكر: ماذا سنأكل عند المغرب، وكيف سأؤمن الحد الأدنى لأطفالي؟ ".
وأوضح الهمص لـ" العربي الجديد" أن القلق بات يلازمه طوال اليوم، في ظل غياب أي مصدر دخل يعينه على تلبية احتياجات أسرته، مضيفاً: " في غالبية الأيام نكتفي بما يوجد من معلبات تسلّمناها من طرود غذائية، مثل الفول والحمص".
وتابع: " في السابق، كانت سفرة رمضان تعج بأنواع مختلفة من الطعام، من الشوربات إلى الأطباق الرئيسية من لحوم ودواجن وحلويات، أما اليوم فالأمر مختلف تماماً".
ولفت إلى أن الفرق بين الأمس واليوم لا يُقاس فقط بعدد الأصناف، بل بالشعور بالأمان الذي كان يرافقهم.
وذكر أنه كان يعمل قبل الحرب وكان له دخل جيد، " أملك محلاً لبيع البقوليات في رفح، وكان يوفر لي ولأسرتي حياة مستقرة، لكن مع تدمير منزلي والمحل التجاري، بقيت دون عمل وتدهور وضعي الاقتصادي بشكل كبير، وهو ما جعل من تأمين سفرة الإفطار تحدياً يومياً في ظل ارتفاع الأسعار الكبير في الأسواق".
أما الفلسطينية سندس أبو لحية، التي نزحت من شمال غزة إلى منطقة الميناء غرب المدينة، فقالت: " نعتمد بشكل كامل على التكية في سفرة رمضان، لا إمكانية لدينا لشراء الطعام في ظل انعدام الدخل، فعائلتي تعيش ظروفاً قاسية داخل خيمة، وتنتظر يومياً ما قد يصل من وجبات أو مساعدات".
وأضافت أبو لحية لـ" العربي الجديد": " يعاني زوجي من إصابة أجلسته الفراش ولا يستطيع العمل، ونعتمد على المساعدات في تسيير أمور حياتنا اليومية، ليس لدينا مصدر دخل وكل ما نأكله تقريباً يأتي من التكية أو الطرود الغذائية"، مشيرةً إلى أن الوقوف لساعات في طوابير الانتظار بات جزءاً من روتينها اليومي خلال الشهر الفضيل.
ولفتت إلى أن شهر رمضان يمر هذا العام في ظل ظروف سيئة يعيشونها في الخيام، وسط صعوبات كبيرة في تأمين الاحتياجات، " حتى المياه والكهرباء غير متوفرتين، فكيف بالطعام؟ "، موضحةً أن الضغط النفسي الناتج عن العجز أمام احتياجات الأطفال يفوق أحياناً قسوة الجوع نفسه.
وتقارن أبو لحية بين الماضي والحاضر قائلة: " في سنوات ما قبل الحرب، كنا نملأ السفر بالطعام بأقل من 50 شيكلاً (الدولار يساوي 3.
11)، أما اليوم فنحتاج إلى ما لا يقل عن 250 شيكلاً لشراء نفس الحاجيات.
" هذا المبلغ بالنسبة لنا أصبح حلماً في ظل غياب أي دخل".
وأكدت أن الفارق الكبير في الأسعار جعل من التفكير في شراء مستلزمات السفرة أمراً شبه مستحيل.
من جانبه، ذكر الفلسطيني محمد وشح، من سكان مدينة غزة، والذي فقد عمله في محل لبيع المرطبات بسبب تدميره، أن رمضان كان شهراً ننتظر قدومه، " نستعد له ونخطط لما سنحضره من أطعمة، اليوم أصبح تأمين الطعام مشكلة بحد ذاتها، ففقدان عملي حوّل حياة أسرتي رأساً على عقب".
وقال وشح لـ" العربي الجديد": " ننتظر ما يأتي من طعام ومساعدات من المؤسسات، وفي حال لم يأتِ شيء نأكل الخبز الحاف، لم نعتد على ذلك الوضع قبل الحرب، كنا نعيش وضعاً أفضل ونستطيع تأمين قوت يومنا وجلب الحاجيات التي نحتاج إليها لسفرة رمضان".
وأوضح أن الشعور بالعجز يرافقه يومياً، خاصة حين يسأله أطفاله عن أطعمة اعتادوا رؤيتها في رمضان.
وأضاف: " الأسواق موجودة لكننا لا نستطيع الشراء، فالأسعار مرتفعة جداً مقارنة بوضعنا الحالي، أصبحنا نزور السوق فقط لنسأل أو نشاهد الأجواء، ثم نعود دون أن نحمل شيئاً"، لافتاً إلى أن هذا التحول القاسي جعل الشهر الذي كان يحمل الفرح، يحمل الآن سؤال التدبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك