في عالم لا يزال يخلط بين الشفقة والتمكين، تروي حلقة برنامج" رفقا" قصة مختلفة؛ قصة شابة أردنية ولدت بمتلازمة" داون"، لكنها اختارت أن تعرّف نفسها بإنجازها لا بتشخيصها، وأن تقدم نموذجا حيا لمعنى الرضا والتميز.
الحلقة التي جاءت في الجزء الثاني من البرنامج الذي يقدمه الشيخ فهد الكندري لم تتوقف عند حدود السرد الإنساني، بل تجاوزته إلى مساءلة نظرة المجتمع، مستحضرة تجربة روان الدويك بوصفها أول حافظة للقرآن من مصابي متلازمة" داون".
list 1 of 4الأردنية روان دويك.
أول مصابة بمتلازمة داون تحفظ القرآن الكريم.
list 2 of 4أمل جديد لمرضى متلازمة داون.
list 3 of 4آثار الاضطرابات العصبية على التطور النفسي للأطفال!
list 4 of 4سيباستيان سولورزا.
ممثل تحدى متلازمة داون ويطمح لرئاسة تشيلي.
منذ المشاهد الأولى، يتكئ البرنامج على عبارة جامعة: " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم"، ليؤسس لمعنى الكرامة الإنسانية بعيدا عن المقاييس الجسدية، ويضع المُشاهد أمام سؤال جوهري: هل نمنح ذوي الهمم فرصتهم الحقيقية؟تُعرف روان بنفسها بثقة لافتة، فتقول" أنا أول حافظة كتاب الله في عالم متلازمة الحب"، هكذا تصف حالتها لا بوصفها قيدا بل علامة محبة إلهية، تبلغ من العمر 30 عاما، وتتحدث بنطق سليم، وتقرأ القرآن بطمأنينة لافتة.
اختارت سورة الأحقاف لتتلو منها ثم استرسلت في آيات من سور البقرة والنور والأعراف، مثبتة حضورا قرآنيا متينا يعكس سنوات من المثابرة، ولم يكن الأداء استعراضا، وإنما قدم شهادة عملية على رحلة طويلة من الحفظ والتكرار.
وراء هذه الرحلة تقف أمها أم أحمد، التي تعترف بأن لحظة الولادة لم تكن سهلة، وتقول إنها حزنت أول الأمر لكنها سرعان ما لجأت إلى الدعاء وأقسمت أن تجعل ابنتها تقرأ القرآن، فكان القرار نقطة تحول في مسار الأسرة.
وتوضح الأم أن البدايات سبقت سن الرابعة عشرة، إذ بدأت روان تحفظ قصار السور منذ طفولتها ولاحظت سرعة استجابتها، تتذكر أنها كانت تتكلم بوضوح منذ عامها منتصف عامها الثاني وهو ما سهل عملية التلقين والتثبيت.
عند سن الرابعة عشرة اتخذت قرارا جادا بإدخالها في مسار حفظ منتظم، وجاءت المفاجأة بعدها من المركز القرآني، حين اكتشفت المعلمة أن روان حفظت الجزء الأول من سورة البقرة كاملا دون علم والدتها.
تقول الأم إنها لم تكن قد لقنتها سوى صفحات معدودة لكنّ روان كانت تحفظ وحدها، تكرر الآية 10 مرات ثم تكتبها في دفترها، وتؤكد روان بابتسامة عفوية" هذا أهم إشي.
لحالي عملت".
وتصف مديرة مركز الأقصى القرآني، نور الهدى ملص، ما جرى بأنه إلهام رباني بدأ من الأم، وترى أن المعجزة الحقيقية لم تكن في القدرات الذهنية بل في الإصرار الأسري والصبر التربوي الذي لم يعرف اليأس.
وتقر ملص بوجود صعوبات في مخارج الحروف لدى بعض مصابي متلازمة" داون"، لكنّ التعامل مع روان اعتمد على الصبر والتشجيع، وتستعيد موقفا طريفا حين اعترضت روان على أسلوب التشدد، فكان الدرس أن التحفيز أنجع من العتاب.
ولم تكن الرحلة فردية؛ فالأم نفسها التحقت بحلقات التحفيظ، غير أن روان ختمت القرآن قبلها، وتعترف الأم أن ابنتها سبقتها إلى الختم وأن الحلم الذي رأته كان دافعا لها لتسلك الطريق ذاته.
حين أتمت روان حفظ سورة البقرة خلال عام ونصف، كانت تحلم أن ترتدي فستان عروس، وقد حققت لها والدتها الحلم واحتفلت بها بعد أن حصلت على العلامة الكاملة في الاختبار، في مشهد امتزجت فيه الرمزية بالإنجاز.
وفي موازاة قصة روان، يطرح الاستشاري التربوي صلاح اليافعي قراءة أوسع لمسألة الاختلاف في القدرات، ويؤكد أن القيم والمبادئ واحدة لكنّ الوسائل تختلف، وأن الفارق البيولوجي لا يعني نقصا بقدر ما يعني تنوعا في التلقي.
ويشدد اليافعي على الفرق بين القناعة والرضا، معتبرا أن الرضا حالة أعمق تفضي إلى الطمأنينة والشكر، ويستحضر قوله صلى الله عليه وسلم" فمن رضي فله الرضا"، ليؤكد أن تقبل الأبناء كما هم مدخل حقيقي للتمكين.
وينتقد ظاهرة إخفاء بعض الأسر لأبنائها من ذوي الهمم بدافع الحرج، معتبرا أن الفخر العلني بأبسط الإنجازات يعزز ثقة الطفل بنفسه، ويدفع المجتمع إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة.
ويربط الشيخ الكندري بدوره بين الحفظ والطمأنينة مشيرا إلى أن القرآن يثبت القلب، ويستشهد بسيرة عبد الله بن أم مكتوم الذي كان أعمى، ومع ذلك استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وأم الناس.
ويؤكد أن التعاطف وحده لا يكفي، بل لا بد من فتح أبواب الحياة أمام ذوي الهمم وتمكينهم من العمل والمشاركة الفاعلة، فالدمج كما يقول، ليس ترفا أخلاقيا بل استحقاقا إنسانيا أصيلا.
حين سألها عن شعورها بالاختلاف، أجابت روان بثقة: " أنا متميزة، متألقة، وأنا بحب كل الناس"، وختمت روان برسالة إلى الجميع: " احفظوا قرآن، القرآن سهل"، مستشهدة بقوله تعالى {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك