من قصور الحكم إلى موائد القسنطينيين، ومن ذاكرة التاريخ إلى حاضر المدينة، ما تزال الجوزية تتربع على عرش الحلويات التقليدية بقسنطينة، ليس فقط بمذاقها الفريد، بل بما تحمله من حكايات وأسرار لم تُكشف كلها بعد.
ترجع أصول الجوزية إلى عهد الحاج أحمد باي (1826–1837)، آخر بايات قسنطينة، حيث وُلدت هذه الحلوى داخل مطابخ القصر، على يد طباخ خاص بالباي.
آنذاك، كانت تُعرف باسم “اللوزية” لاعتمادها أساسًا على اللوز، قبل أن يُستبدل لاحقًا بالجوز لما يمنحه من نكهة أعمق وجودة أعلى، مع الإبقاء على خلطة دقيقة ظلّت حكرًا على القصر، لا يُفصح عنها لأحد.
وبعد سقوط الحكم العثماني، كادت الجوزية أن تختفي من الذاكرة، لولا الحاج رابح خلفة الملقب بـ“الصيد”، الذي تشبث بهذا الإرث منذ ستينيات القرن الماضي، محافظًا عليه من الاندثار، في وقت لم تكن تُحضّر فيه إلا خلال شهر رمضان، قبل أن تصبح لاحقًا حلوى حاضرة على مدار السنة.
ورغم انتشارها، بقيت طريقة إعدادها سرًّا عائليًا متوارثًا، لا يُمنح إلا بالثقة والانتماء.
ولم تكن الجوزية وحدها حاضرة في القصر، فقد رافقتها حلوى أخرى تُعرف باسم “روح الباي”، خُصصت لتحسين مزاج الحاكم، ولا تزال تُحضّر إلى اليوم بنفس الروح القديمة.
تعتمد الجوزية في مكوناتها الأساسية على العسل الطبيعي، وبياض البيض، وقطع الجوز، غير أن سرّها الحقيقي لا يكمن في هذه العناصر، بل في المقادير المضبوطة، وتوقيت التحضير، وذاك الحسّ الذي لا يُدرَّس.
واليوم، أصبحت الجوزية هدية قسنطينية بامتياز، تزور يوميًا بيوت الأصدقاء، وترافق لمّات الزملاء، وتسافر في حقائب المسافرين من قسنطينة إلى مختلف بقاع العالم، لتصل كأجمل الهدايا إلى موائد وبيوت راقية، بل وإلى قصور الملوك والأمراء والرؤساء، كسفيرة صامتة لمدينة لا تكشف كل أسرارها.
وهنا يتأكد المعنى “ما يُقدَّم على الشاشات يبقى اجتهادًا”، أما الجوزية الحقيقية، فتبقى حبيسة البيوت القسنطينية العريقة، ” لأن بعض الحلويات وُجدت لتُهدى… لا لتُفشى.
”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك