رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام بل هو صيام عن مشاغل الحياة والالتفات لمن نحب.
تحضير الطعام في رمضان ليس مجرد “طبخ” بل هو طقس احتفالي يمتلئ بالحب والبهجة.
وكيف تتحول البيوت إلى خلايا نحل و يطغى الدفء على برودة الأيام العادية بفضل اجتماع العائلة.
لا تبدأ “لمة العيلة” عند أذان المغرب بل تبدأ قبل ذلك بساعات كثيرة وتحديداً من قلب المطبخ.
هناك حيث تتحول الأواني إلى آلات موسيقية تعزف سيمفونية يومية من الروائح الشهية والضحكات العالية.
في رمضان يختفي مفهوم “الطبخ الفردي” فنجد الأم تشرف على “المحاشي” والبنات يتنافسن في ابتكار أصناف الحلويات و الأطباق التقليدية التي لا يحلو طعمها إلا حين نتقاسمها معاً.
حتى الصغار لهم دور في ترتيب المائدة أو غسل الخضروات مما يجعل الطعام يخرج بنكهة “النفس الطيب” والتعاون.
تلك الروائح التي تصنع الذكريات رائحة السمن البلدي مع تقلية الملوخية بخار الشوربة المتصاعد ورائحة الحلويات وهي تداعب حواس الصائمين.
هذه الروائح هي التي تبني “ذاكرة الحنين” التي سنشتاق إليها طوال العام.
تلك الدقائق التي تسبق الأذان حيث تزداد الحركة سرعة،
هذا ينقل التمر وذاك يسكب العصائر والأم تضع اللمسات الأخيرة على الطبق الرئيسي في مشهد يعكس قمة العطاء والاهتمام بالتفاصيل لإسعاد الآخرين.
في رمضان نحن لا نطبخ لنأكل فقط بل نطبخ لنطعم أرواحنا من فيض المودة التي تخلط مع كل صنف نضعه على المائدة.
و حينما تجمعنا المحبة حول مائدة واحدة.
مشهد تجمع الصغار والكبار حولها قبل الأذان بدقائق وحالة الهدوء والسكينة التي تسبق كلمة “الله أكبر”.
وعندما تدق ساعة الإفطار، يجلس الجميع حول تلك الأطباق التي صنعت بالكثير من الصبر والحب، ليكتشفوا أن أطيب ما في الطعام ليس مذاقه بل هو الاجتماع عليه بقلوب راضية ونفوس هادئة.
وما إن ينتهي الجميع من تناول وجبة الإفطار، حتى تبدأ مرحلة جديدة من اليوم الرمضاني تجمع بين القدسية والبهجة الاجتماعية.
خروج الكبار والصغار معاً نحو المسجد بملابسهم النظيفة وسجادات الصلاة الملونة هو لوحة إيمانية بامتياز.
والسكينة فى تلاصق الأكتاف فى الصف وتغمر الروح حالة من الطمأنينة مع صوت الإمام وهو يتلو آيات الذكر الحكيم لتكون هذه الصلاة هي “استراحة الروح” بعد تعب النهار.
وبعد العودة من المسجد يبدأ الجزء الأكثر “أنسًا” في الليلة.
يلتف الجميع حول صينية “القطايف” أو “الكنافة” الساخنة مع أكواب الشاي أو فناجين القهوة التي تفوح رائحتها في أرجاء المكان.
حكاوي الجد والجدة و هنا تسكت الشاشات وتتكلم القلوب يبدأ الجد بسرد قصص رمضانات زمان ويتبادل الشباب الضحك والنكات، وتنتقل النصائح من الكبار للصغار في جو من الود الذي لا توفره أي تكنولوجيا ولا تخلو تلك الجلسة من بعض”الفوازير” أو ألعاب شعبية بسيطة تجمع بين الذكاء والضحك لتستمر السهرة حتى موعد السحور.
وهنا ندرك أن “لمة العيلة” في رمضان هي الرصيد الحقيقي الذي نخرج به من هذا الشهر.
هي ليست مجرد مائدة عامرة ولا في كثرة الأصناف على المائدة أو سهرة ممتعة بل في الوجوه التي تبتسم حولها والقلوب التي تدعو لبعضها بالخير قبل أن تمد أيديها للطعام.
بل هي تجديد للعهود وتقوية للروابط التي قد تضعفها مشاغل الحياة في بقية العام.
وهي الذكرى التي نحملها في قلوبنا لسنوات طويلة.
فليكن رمضاننا هذا فرصة لترميم ما انكسر من تلك الروابط وزيادة جرعة الحب في بيوتنا لأن الأيام تمضي ولا يبقى لنا إلا دفء هذه اللحظات.
“اللهم بارك لنا في جمعتنا، ولا تحرم بيوتنا من ضجيج أحبتنا.
واجعل مائدتنا دائماً عامرة بذكرك وبوجود من نحب.
اللهم احفظ عائلاتنا من كل سوء، واجمعنا دائماً على طاعتك ومحبتك، وأعد علينا رمضان أعواماً عديدة ونحن في أحسن حال.
لا فاقدين ولا مفقودين.
”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك