مع مطلع سبعينيات القرن الماضي، كان عدد الأئمة بولاية تبسة قليلا، وكانت أسماؤهم على ألسنة كل السكان لعلاقتهم المتميزة بهم والدور النضالي الذي لعبوه، خاصة في ترشيد الناشئة ومحاولة ترميم معالم الشخصية الوطنية الإسلامية التي سعى المحتل إلى طمسها.
فبالإضافة إلى الشخصيات الدينية المشهورة كالشيخ الحبيب فارس، عيسى سلطاني، العيد مطروح، هوام عليا، أحمد باشا، الطاهر مسعادي، وعبد الوهاب جلالي، سطع مع مطلع السبعينيات من القرن الماضي اسم الشيخ محمد الشريف عقبي، كأول إمام يؤم المصلين بمسجد عقبة بن نافع سنة 1975 وهو رابع مسجد بعاصمة الولاية، بعد مساجد العتيق، الشيخ العربي التبسي، والهجرة بالحي الشعبي ببوحبة.
اللافت في حياة الشيخ رحمه الله، أنه كان متشبعا بالثقافة الدينية منذ نعومة أظافره، وعلى الرغم من التحاقه بسلك الأمن كضابط شرطة بعد الاستقلال مباشرة، بقي على صلة بالمحراب والإمامة متطوعا بمسجد العتيق زهاء العشر سنوات، وبحسب رواية ابنه الدكتور محمود العقبي، الإطار بمديرية الشؤون الدينية والأستاذ الجامعي، فوالده فكّر سنة 1975م الالتحاق بسلك الإمامة، والانسحاب من سلك الشرطة بعد جهود كبيرة مبذولة، منذ مطلع الاستقلال حيث وفق في الالتحاق بقطاع الشؤون الدينية، متشبعا بالثقافة الدينية الواسعة وتمكنه من حفظ كتاب الله، ليتم تعيينه كإمام خطيب وصلاة التراويح بمسجد عقبة بن نافع، الواقع بحي الكنيسة.
وبحسب رواية ابنه وعدد ممن عرفوا الشيخ الفاضل عن قرب فالشيخ العقبي المولود بمنزل داخل السور البيزنطي عام 1928، معروف بنزاهته وتقواه، وحفظ القرآن الكريم بالكتاتيب وعمره لا يتجاوز 10 سنوات، متأثرا بمحيطه وبيته الديني، فوالده الشيخ أحمد العقبي، وجده العالم السني الفقيه محمد الطاهر الجلالي، وهو على صلة قرابة بالعالم الفذ الشيخ الطيب العقبي، فبعد حفظه القرآن سنة 1940، وتمكنه من العلوم الشرعية عمل في منصب مساعد للقاضي المدني الشيخ محمد زرقين على مستوى محكمة مدينة تبسة، إلى غاية الاستقلال، وبعد مغادرته سلك الأمن تفرغ كلية للإمامة والإرشاد الديني، حيث كان المسجد الحديث الإنجاز، قبلة للمصلين من مختلف أنحاء المدينة وخارجها، واشتهر في أثناء صلاة التراويح بالحفظ الجيد، فكان ظاهرة في الحفظ فلا يتوقف ولا ينسى حتى حرفا من كتاب الله.
عُرف بخفة الروح، وبساطة الكلام خاصة في دروس الجمعة، وقبل التراويح إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1996م، وفي لقاء مع الشيخ عبد الصمد بوعقال، المفتش بقطاع التربية وأحد العارفين بحياة الشيخ العقبي منذ تعيينه تماما بالمسجد قال: “إثر خروجه من سلك الأمن الوطني كان مسجد عقبة بن نافع في حي الكنيسة بتبسة، دون إمام في بداية افتتاحه فعين فيه إماما خطيبا عام 1975 عرف خلال إمامته بانضباطه وأناقته وهدوئه ونشاطاته حيث قرأنا معه متن بن عاشر بشرح الشيخ أحمد ميارة”.
ويضيف المتحدث أن الشيخ: “أمّ الناس في صلاة التراويح ما يقارب 20 عاما، كانت قراءته خلالها واضحة، صحيحة، لا تسمع فيها تأتأة ولا أخطاء، تتخلل الركعات تهاليل وتسابيح تبعث في نفوسنا طمأنينة تنسينا تعب القيام، فلم نر الشيخ الشريف رحمة الله عليه إلا غاديا أو رائحا بين المسجد وبيته ومكتبه الخاص الذي كان يقوم فيه بوظيفة كاتب عمومي، يحرر عقود البيع باللغتين لما كان يتميز به من تحكم في اللغتين العربية والفرنسية”.
وبقي الشيخ ملازما للمسجد طيلة عقدين، لينتقل إلى الرفيق الأعلى بعد سنتين مباشرة حيث حضر جنازته المئات من المشيعين بمقبرة سيدي محمد الشريف، الذين أجمعوا على تقواه وحسنة سيرته وصفاء فكره المستمد من الكتاب والسنة وأئمة ومشايخ الإصلاح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك