• الفيلم يرفض إصدار الأحكام ويترك المتفرج فى مواجهة السؤال الأخلاقى وحده.
ضمن سياسة مهرجان برلين السينمائى الدولى فى الاحتفاء بالأفلام الإنسانية العميقة، جاء فيلم «Queen at Sea» إو «ملكة فى البحر» للمخرج الأمريكى لانس هامر، أحد أكثر أفلام المسابقة الرسمية أهمية إثارة للنقاش فى الدورة الـ76، ليس بسبب أحداث صاخبة أو معالجة سياسية مباشرة، بل لأنه يقترب بهدوء شديد من أحد أكثر الأسئلة قسوة فى الحياة: ماذا نفعل عندما يفقد من نحب القدرة على الاختيار؟الفيلم الذى أرشحه لإحدى جوائز الدب الكبرى وفقا لجمالياته الفنية واقتحامه مشاعرنا بجاذبيته، وموضوعه الإنسانى - الفلسفى أكثر منه حكائى تقليدى، تدور أحداثه فى دراما مؤثرة ومثيرة للدهشة حول «أماندا» جولييت بينوش، التى تكتشف أن أمها العجوز ليزلى «كالدار مارشال» المصابة بالخرف المتقدم مازالت تعيش علاقة زوجية طبيعية مع زوجها المسن مارتن.
وهو المشهد الافتتاحى البديع والمدهش.
الذى شاهدته اماندا وابنتها سارة.
هنا يبدأ الصراع؛ فالأم لم تعد قادرة على الإدراك الكامل أو اتخاذ قرار واعٍ، بينما يرى الزوج أن ما يحدث امتداد طبيعى للحب والزواج الطويل.
وأن تلك العلاقة هى أسمى علاج.
لم يكن رد فعل أماندا صدمة بقدر ما كان غضبًا، وكأن هذا قد حدث.
من قبل، فوبّخت مارتن بشدة لممارسته الجنس مع زوجته؛ ففى رأى أماندا، ورأى طبيب العائلة، فإن حالة ليزلى من الخرف متقدمة لدرجة أنها لا تُعتبر قادرة على إعطاء موافقة كاملة على العلاقة الزوجية، مهما بدت هى من تبادر بالعلاقة الحميمة.
أما مارتن، فيصرّ على أن ليس كل «الخبراء» متفقين على أن مرضى الخرف غير قادرين على الموافقة، وهو انطباع استقاه بوضوح من ذلك المصدر المثير للجدل للمعرفة، جوجل.
يُشرح كل هذا من خلال جدالات أماندا ومارتن، والتى تُعرض أحيانًا كاملةً فى اللقطة، وأحيانًا أخرى يُسمع صوتها فقط من غرفة أخرى، بينما تبقى الكاميرا ثابتة على الدرج كما لو أن أحدهم (ربما ليزلى أو سارة؟ ) يستمع ويراقب من بعيد.
غاضبةً، وعلى أمل أن تُخيف مارتن بما يكفى لتلقينه درسًا، تتصل أماندا بالشرطة، فيحضر ضباط يرتدون الزى الرسمى ويعتقلون مارتن، مما يُسبب له ولأماندا ضيقًا شديدًا.
لاحقًا، تظهر إيما (ميشيل جيرام، وهى محققة جرائم جنسية حقيقية فى الشرطة)، ضابطة الاتصال الخاصة بالشرطة، وتتولى التحقيق، مما يؤدى إلى ذهاب ليزلى إلى المستشفى لإجراء فحص طبى شرعى (يُجريه طبيب متخصص آخر)، الأمر الذى يزيد من ضيق ليزلى، وهكذا تستمر الأحداث.
بدأت سلسلة من العواقب المؤسفة تتساقط على العائلة.
ففى البداية، تم إيداع ليزلى على عجل فى دار رعاية محلية، لكن الأمور سارت على نحو كارثى.
وبلا مأوى آخر، عاد مارتن إلى منزله ومنزل ليزلى، رغم أنه لا يُفترض أن يكون هناك.
لكن سرعان ما اتضح له ولأماندا أنه أكثر كفاءة فى تلبية احتياجات ليزلى فيما يتعلق بإطعامها وتحميمها ومساعدتها على النوم.
فى هذه الأثناء، لا يبدو أن أماندا ترغب فى فرض رأيها.
فهى أكاديمية ذات منصب دائم فى جامعة بنيوكاسل شمال إنجلترا، وقد أخذت إجازة تفرغ فى لندن، حيث أقامت فى شقة مستأجرة فى مبنى سكنى بريطانى قديم الطراز، فى محاولة لإقناع مارتن بإيداع ليزلى فى دار رعاية.
ورغم انفصالها عن والد سارة، الذى لم نره قط، إلا أنه من الواضح من مكالمة هاتفية (لم نسمع منها إلا طرفًا واحدًا) أنها تتمتع بعلاقة جيدة مع طليقها.
تتحول العلاقة العائلية إلى قضية قانونية وأخلاقية معقدة، ويضع الفيلم المشاهد فى منطقة رمادية: هل ما يفعله الزوج اعتداء أم وفاء؟ وهل الحماية القانونية للمريض دفاع عن كرامته أم سلب لحريته؟لا يقدم المخرج والمؤلف لانس هامر فى أول تجربة إخراجية منذ فيلم «بالاست» عام ٢٠٠٨، شخصيات شريرة أو ضحايا واضحين.
الجميع فى الفيلم محق بطريقته الخاصة.
الزوج يحب زوجته ولا يتخلى عنها، والابنة تحاول حمايتها، والأم نفسها عالقة فى حالة إنسانية مؤلمة لا تملك التعبير عنها.
بينما ترغب دائما فى الاقتراب من الزوج.
ولهذا يرفض الفيلم إصدار الأحكام، ويترك المتفرج فى مواجهة السؤال الأخلاقى وحده.
أسلوب هامر البصرى شديد التقشف؛ كاميرا ثابتة، لقطات طويلة، وموسيقى شبه غائبة.
لا توجد حبكة تقليدية أو تصاعد درامى حاد، بل مراقبة دقيقة للحياة اليومية داخل منزل هادئ.
الصمت هنا ليس فراغا، بل أداة درامية أساسية، إذ يعكس العجز عن التعبير الذى يفرضه المرض على العائلة بأكملها.
حتى الحفيدة.
الفيلم لا يتعامل مع الخرف كحالة طبية بقدر ما يراه تجربة إنسانية قاسية؛ فالمريض لا يفقد ذاكرته فقط، بل تفقده عائلته تدريجيًا.
الأم مازالت حاضرة جسديًا لكنها غائبة عاطفيا، والابنة تشهد اختفاءها البطىء دون أن تستطيع إيقافه.
هنا تتحول الرعاية إلى عبء أخلاقى:
هل نحترم ما تبقى من إرادة المريض، أم نحميه من قرارات لم يعد قادرا على فهمها؟تقدم جولييت بينوش أحد أكثر أدوارها هدوءًا ونضجا.
لا تعتمد على الانفعال أو الخطابات الطويلة، بل على التردد الداخلى ونظرات الصمت.
الشخصية ليست بطلة ولا مدانة، بل إنسان يحاول اتخاذ القرار الصحيح بينما لا يوجد قرار صحيح بالكامل.
قوة الأداء تأتى من بساطته؛ انكسار خافت، جملة قصيرة، نظرة حائرة، وهكذا يتحول الصراع الداخلى إلى العنصر الدرامى الأساسى للفيلم.
قدمت الام وزوجها العجوزان أداء ثنائيا استثنائيا، أشبه بلوحة فنية من كورتيناى وكالدر- مارشال، وهما ممثلان يعرفان بعضهما منذ نصف قرن كصديقين؛ وتتجلى هذه الألفة بوضوح طوال العرض.
ينتمى «Queen at Sea» بوضوح إلى نوعية الأفلام التى يفضلها مهرجان برلين: سينما إنسانية تفكر أكثر مما تحكى.
لا يعتمد الفيلم على التشويق، بل على الأسئلة، ولا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك المشاهد قلقا بعد انتهاء العرض.
إنه فيلم عن الشيخوخة، لكنه فى الحقيقة فيلم عن المسئولية.
عن اللحظة التى يتحول فيها الحب من شعور إلى واجب، ومن اختيار إلى تضحية يومية.
«Queen at Sea» تجربة مؤلمة لكنها صادقة، لأنه يواجه خوفا إنسانيا مشتركا: ليس الموت هو ما نخشاه غالبا، بل فقدان الذات قبل الموت.
يخرج المشاهد من الفيلم دون يقين، لكنه يحمل سؤالًا ثقيلًا: حين يختفى وعى من نحب هل نستمر فى معاملته كإنسان حر، أم كإنسان يجب حمايته؟الفيلم لا يجيب، لكنه يذكرنا بأن أصعب لحظات الحب ليست فى الفراق، بل فى الرعاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك