عمان- في رمضان يتغير إيقاع البيوت، لكن ثمة إيقاعا واحدا يبقى ثابتا: إيقاع الأجداد.
الروح التي تمنح الشهر معناه الإنساني وتحول الصيام إلى تجربة عائلية دافئة مليئة بالمحبة والطمأنينة.
اضافة اعلان.
في حضورهم يكون رمضان موسما للاحتواء ولم الشمل، بتفاصيل قد تبدو بسيطة لكنها عميقة الأثر، ففي المطبخ حيث تختلط روائح الطعام بدعوات صامتة، لا يقتصر دور الجدات على إعداد المائدة وإنما على إعداد القلوب أيضا، فكل طبق يحمل ذاكرة وكل وصفة حكاية متوارثة، وكأن الجدة تعيد وصل الأجيال بخيط من الحنين والانتماء.
موائدهن لا تُقاس بكثرة أصنافها بل بما تحمله من دفء ومحبة، وفي لحظات الإفطار تتجلى الجدات لكونهن القلب النابض الذي تجتمع حوله العائلة؛ في نظراتهن رضا، وفي كلماتهن طمأنينة، وفي صمتهن حكمة.
أما ليالي رمضان فهي المساحة التي تتجلى فيها الجدات كمرشدات، يلمسن أعمق نقطة في الروح بفطرتهن، يزرعن الإيمان في النفوس بسلوكهن وصبرهن وبقوة علاقتهن بالله، فيتعلم الأحفاد أن رمضان ليس امتناعا فقط بل قرب، وليس صياما عن الطعام فحسب، بل عن القسوة والجفاء.
نادية (36 عاما) تجد أنه في ظل ما نعيشه من قسوة وابتعاد، يبقى الأجداد يحرسون أماني ذاكرة العائلة وأمانها.
وعن جدتها تُبين أن وجودها في حياتها نعمة لا تُقدر بثمن، هي من تمدها بالأمل كلما تعثرت وتصمت لحزنها قبل فرحها، وحيث معها يكون للأشياء طعم مختلف وخاصة رمضان الذي تعيشه بنصائحها ودعائها.
وتشير إلى أن جدتها هي من تصنع روح رمضان بحبها وحنانها و" تُربي فينا قيما كثيرة كدنا أن ننساها في زحمة الحياة، وهي أيضا من تعيدنا إلى أنفسنا كلما تهنا أو أثقلت علينا الظروف".
وتؤكد أن رمضان في عيون الجدات ليس أياما للصيام فقط، بل هو فرصة سنوية تعيد ترتيب الروح، تظهر في تفاصيل صغيرة، في دعاء يُهمس به قبل أذان المغرب، في يد تمتد لتربت على كتف صائم متعب، في إصرار على أن يجلس الجميع حول مائدة واحدة ولو لدقائق.
سرى هي الأخرى تؤكد أن وجود جدتها يشعرها بالأمان دائما، فمنها تعلمت الحب والصبر والتسامح.
أما المائدة في نظر الجدة فمساحة لقاء لا طعام؛ كل طبق يحمل ذكرى وكل وصفة قصة عن سنوات مرت وأحباب غابوا.
هي لا تطهو لتملأ الصحون بل لتشعر أحفادها بأن لهم جذورا وبأن دفء العائلة لا يعوض.
مبينة أن الجدات في رمضان هن بركة البيوت والمحبة الصادقة التي لا تتبدل، وهن الوطن حين تضيق الحياة.
ويرى الاختصاصي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان أن الأسرة العربية والإسلامية تتميز بقدر كبير من الترابط الأسري والعلاقات المتواصلة وما يُعرف بالأسرة الممتدة التي تشمل الأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات.
ويعتبر الأجداد والجدات مصدرا من مصادر سعادة الأبناء والأحفاد، وذلك من خلال التواجد حولهم أو استمرار زيارتهم والتواصل معهم.
ومن الجدين يتعلم الأحفاد أمورا كثيرة، منها القيم والأخلاق وأهمية الأسرة والأقارب والجيران.
تذكر تفاصيل قديمة مرتبطة برمضان.
لعل من أكثر الفئات سرورا بشهر رمضان كبار السن الذين يجددون فرحتهم كل عام ببلوغهم الله تعالى صيام رمضان، وهي نعمة كبيرة يشكرون الله عليها لأنهم أدركوا شهر العتق من النار ومضاعفة الأجور، وفق سرحان.
وللأجداد والجدات ذكريات جميلة مع هذا الشهر، خصوصا من تقدم به العمر، حيث كان الناس فيه أقرب إلى بعضهم البعض من حيث المساكن، ولديهم عادات خاصة كتبادل أطباق الطعام وإفطارات جماعية.
وبحسب سرحان، هذه الذكريات بالنسبة لهم تذكرهم بمرحلة الشباب والعطاء وإن كانت لا تخلو من الصعوبة والقسوة، وهم يستمتعون بذكر تفاصيلها للأبناء والأحفاد، ولا يملون من تكرارها، لتكون جزءا من تاريخ الأسرة ونافذة على تجارب وخبرات يمكن الاستفادة منها.
ويبين سرحان أن حنان الجدة يعادل حنان الأم، لا بل أكثر، فهي تمتلك قلبا يفيض حبا وعطفا ورقة، ووجودها داخل الأسرة في رمضان يضفي أجواء من البهجة والفرح بما لديها من عطف وحنان وحب، مما ينعكس إيجابيا على نفسية الأبناء والأحفاد.
وينوه سرحان إلى أن وجود الأجداد والجدات بين الأبناء والأحفاد يعني التواصل والبر وصلة الرحم، وتأكيدا على عظمة الإسلام الذي يحث على بر الوالدين والاهتمام بهما في جميع المراحل العمرية.
كما أن صيام كبار السن يعطي الدافعية للصغار للصيام ويمنحهم العزيمة والإصرار والتحمل.
وبر الأبناء لوالديهم يعطي الأحفاد دروسا عملية في احترام الكبير ومساعدته.
وينصح سرحان بضرورة الاجتماع سويا على مائدة الإفطار يوميا، وأن يتناوب الأبناء على دعوات الآباء للإفطار، أو الذهاب إلى منزلهم وإحضار طعام الإفطار لهم، ووصلهم وتقديم الرعاية لشؤونهم ليس فقط في رمضان بل في جميع الأوقات.
شعور الأحفاد بالاستقرار النفسي والروحي.
الاستشاري التربوي الأسري الدكتور عايش النوايسة يقول إن حضور الأجداد يمثل الجانب الإنساني والديني الذي ترتقي إليه الأسرة في هذا الشهر، وهو امتداد لنمط الأسرة التقليدية، وهي الأسرة الممتدة التي حلت مكانها الأسرة النواة، ووجودهم يمنح الأفراد شعورا بالاستقرار النفسي والروحي.
ويضيف النوايسة، إن الأجداد يذكرون الجميع بالأصول والجذور.
هذا الحضور يوجد ملاذا آمنا بعيدا عن ضغوط الحياة اليومية، مما يعزز شعور الأبناء والأحفاد بأنهم جزء من كيان أكبر ومتماسك، ويرسخ انتماءهم للأسرة وللتقاليد التي يمثلها الأجداد، ويربطون بين الماضي والحاضر، وبين الأصالة والمعاصرة.
من خلال هذا التواجد مع الأسرة، يؤدي الأجداد دور المعلم والنموذج بأسلوب غير مباشر، وهذا يمثل نموذج القدوة للأبناء بشكل خاص وللأسرة بشكل عام.
كما أن المواعظ اللطيفة حول فضل الصبر، وأجر الصيام، وأهمية طاعة الوالدين، تترسخ في عقول الأحفاد بعمق أكبر من الوعظ النظري، لأنها تصدر من قلوب محبة وخبرة طويلة، بحسب النوايسة.
ويميل الأطفال إلى تمثل سلوكيات الأجداد بفضل الطريقة والسلوك القائم على الحنان، ويتقبلون تعليمات وسلوكيات رمضان برغبة وفرح.
فالطفل الذي يشعر بالدفء والاحتضان من جدته وجده يميل للاقتداء بسلوكهما تلقائيا.
خبرة الأجداد في التعامل مع النفسيات المختلفة تساعد أيضا على توجيه سلوك الأطفال بعيدا عن العنف أو الصراخ، ويربطون رمضان بالذكريات الجميلة والسلوك الحسن.
ويلفت النوايسة إلى أن الجدات، كما هو معروف عنهن، هن" حافظات الذاكرة" والهوية العائلية.
فهن اللواتي يحفظن أسرار المأكولات الشعبية التراثية، ومواقيت تزيين المنازل، وطقوس الاستعداد للعيد.
من خلال مشاركة الأحفاد في إعداد الحلوى أو ترتيب المائدة، تنقل الجدة العادات الأصيلة جيلا بعد جيل، مما يحافظ على تميز الهوية الأسرية ويمنع ذوبانها في العولمة والأنماط المستوردة.
ومن المعروف أن بيت الأجداد يكون محور التجمع للأبناء وأسرهم على مائدة الإفطار أو السحور، وفرصة لا تعوض لالتقاء الأعمام والأخوال.
ويعلم الأحفاد أهمية صلة الرحم وقضاء الوقت مع العائلة، ويترسخ لديهم أن رمضان هو شهر التواصل والجسد الواحد حول المائدة.
وينوه النوايسة أن قصص الأجداد ليست مجرد حكايات للترفيه، بل هي وسيلة لنقل الحكمة والتاريخ والقيم، وهي تمثل ربطا بين الماضي والحاضر.
فعندما تروي الجدة قصصا عن التضحية، والكرم، أو مواقف من حياة الصحابة، فإنها تشكل وعي الأبناء وتغذي خيالهم.
هذه القصص تزرع فيهم الشجاعة، والأمانة، والتعاطف مع الآخرين، كما أن نصائحهن الاجتماعية (مثل احترام الكبير، ومشاركة الطعام مع الجيران) تبني شخصية اجتماعية متوازنة.
في عصر السرعة والتكنولوجيا، يمكن للأسرة أن تجعل من الأجداد" جسرا للتوازن" عبر جلسات" تفكيك رقمي" حيث يجلس الأحفاد مع الجدة ليتعلموا منها فنون الطبخ أو الاستماع لقصصها، مما يعوضهم عن الجانب المادي المفرط ويغذي احتياجاتهم العاطفية والروحية، والاستفادة من خبرتهن تعني نقل" الحكمة البطيئة" إلى" العالم السريع".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك