عمان- أكد خبراء في الزراعة أن استصلاح أراضي الخزينة لم يعد خيارا بل ضرورة إستراتيجية، غير أن نجاحه مشروط بثلاثة محاور، هي: إصلاح منظومة الحوكمة الإدارية، ومعالجة الإشكالية المائية، وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص، حتى تتحوّل هذه الأراضي الشاسعة من إمكانية مُعلّقة لرافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
اضافة اعلان.
وبينوا لـ" الغد" أن توصية المجلس الاقتصادي والاجتماعي باستصلاح أراضي الخزينة فرصة إستراتيجية لإعادة توجيه دور الدولة من مالكٍ غير مستغل للأرض إلى مُيسِّرٍ لمنظومة إنتاج زراعي متكاملة، قادرة على تعزيز الأمن الغذائي، ورفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي وخلق فرص عمل مستدامة في الأطراف.
وفي السياق، قال الخبير د.
فاضل الزعبي، إن المجلس أصدر دراسة تحليلية بعنوان" التحديث الاقتصادي للزراعة الأردنية: تحليل للتحديات واستشراف فرص التنمية المستدامة"، تسعى لرسم ملامح مستقبل الزراعة ومنظومة الأمن الغذائي الوطني.
وأضاف الزعبي، إن الدراسة تناولت قضية أراضي الخزينة في سياق التدهور المتسارع للأراضي الزراعية، إذ تكشف عن حجم هذه الثروة الوطنية غير المستثمرة بالقدر الكافي.
فمن إجمالي مساحة المملكة البالغة نحو 89.
3 مليون دونم، تبلغ أراضي الخزينة نحو 57 مليون دونم، غير أن الصالح منها فعليا للزراعة لا يتجاوز الـ10.
4 مليون دونم، تتوزع بين 5.
7 مليون دونم صالحة للمحاصيل، و4.
2 مليون دونم صالحة للخضراوات، و0.
8 مليون دونم صالحة للوزيات.
وتُشير الدراسة إلى أن معدلات الهطول المطري المنخفضة تُمثّل العامل الأساسي الذي يُقيّد الاستغلال الأمثل لهذه الأراضي، في ظل الطبيعة شبه الجافة للمناخ وتقلباته الموسمية، ما يجعل جزءا كبيرا منها غير قابل للزراعة دون توافر مصادر مائية إضافية، أو تقنيات متقدمة لحصاد المياه.
ومن هنا، تدعو الدراسة صراحة للتفكير الجاد باستصلاح مساحات واسعة من هذه الأراضي، مؤكدة أن توافر البيانات العلمية حول ملاءمتها الزراعية أساس متين لتوجيه جهود الاستصلاح والتخطيط لاستخدام الأراضي بصورة أكثر كفاءة واستدامة.
وقال الزعبي، إنه على الصعيد الاقتصادي، تُجمع الدراسة على أن توسيع الرقعة الزراعية عبر هذه الأراضي يرفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي الذي يخسر حاليا بين 0.
3 % و0.
4 % منه سنويا جراء التحديات البنيوية المتراكمة.
فضلا عن ذلك، يُعوّل على هذه الخطوة بدعم أهداف رؤية التحديث الاقتصادي 2033 الرامية لبلوغ صادرات زراعية تصل لـ1.
6 مليار دينار، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي، وتخفيف الاعتماد على الاستيراد واستقطاب الاستثمار الزراعي الخاص لخلق قيمة مضافة حقيقية.
أما على الصعيد الاجتماعي، فتنظر الدراسة لاستصلاح هذه الأراضي بوصفه أداة فاعلة لمعالجة تراجع حاد في جاذبية القطاع الزراعي لدى الشباب، إذ شهد انهيارا في نسبة عامليه من أكثر من 30 % في ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 2.
5 % حاليا.
وترى الدراسة أهمية توفير أراضٍ مؤجرة وحوافز داعمة قادرة على إعادة جذب هؤلاء الشباب إلى الريف، وتحفيز مجتمعاتهم المحلية على الاستقرار فيه، وخلق فرص عمل نوعية.
كما تلفت إلى دور محوري يمكن أن تؤديه المرأة الريفية إذا تيسّر لها تملّك الأراضي والحصول على الخدمات الداعمة، بما يُسهم في النهاية بتعزيز التماسك الاجتماعي في المناطق الريفية والبادية.
وقال الزعبي، إنه لتحويل هذه التوصية من إعلان سياسي إلى واقع ملموس على الأرض، تضع الدراسة جملة شروط، في مقدمتها إرساء إطار تنفيذي موحد يتجاوز تضارب الصلاحيات بين وزارات الزراعة والمياه والمالية والاستثمار، وربط كل مشروع استصلاح بمنظومة متكاملة تشمل الجدوى الاقتصادية والبيئية والمساءلة المؤسسية.
وتُقرّ الدراسة بأن القيد المائي يظل العائق الأكبر، وتقترح التوسع في البدائل المستدامة كالأنابيب المغلقة ومعالجة المياه العادمة وتقنيات الزراعة المائية، مصحوبة بنهج متكامل لمكافحة تدهور الأراضي يشمل حماية المراعي والتشجير والزراعة الحافظة وحصاد المياه.
وعلى الصعيد التشريعي، تُشدد الدراسة على ضرورة تمكين القطاع الخاص من الاستثمار في هذه الأراضي عبر قوانين تأجير محدّثة وشراكات حكومية-خاصة فعّالة، مستندة إلى قاعدة بيانات علمية دقيقة توزّع الأراضي حسب ملاءمتها لكل نوع من المنتجات الزراعية.
وزاد الزعبي، إن استصلاح أراضي الخزينة لم يعد خيارا بل ضرورة إستراتيجية، غير أن نجاحه مشروط بثلاثة محاور متتالية: إصلاح منظومة الحوكمة الإدارية أولا، ومعالجة الإشكالية المائية ثانيا، وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص ثالثا، حتى تتحوّل هذه الأراضي الشاسعة من إمكانية مُعلّقة إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
من جهته، بيّن وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري، أن توصية المجلس باستصلاح أراضي الخزينة فرصة إستراتيجية لإعادة توجيه دور الدولة من مالكٍ غير مستغل للأرض إلى مُيسِّرٍ لمنظومة إنتاج زراعي متكاملة، قادرة على تعزيز الأمن الغذائي، ورفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي وخلق فرص عمل مستدامة في الأطراف.
وأضاف المصري أن الفكرة الجوهرية هنا لا تقتصر على توزيع الأراضي، بل على تطوير نموذج استثماري متكامل يبدأ باستثمار الدولة في البنية التحتية المائية، وبالتحديد مشاريع الحصاد المائي عبر الحفائر والسدود الترابية وتجميع مياه السيول.
وبيّن أن هذا الاستثمار التأسيسي يخفّض المخاطر الرأسمالية على المستثمرين، ويحوّل الأراضي البعلية الهامشية إلى أراضٍ قابلة للإنتاج الزراعي المنظم، مضيفا أنه بعد توفير البنية المائية، يمكن تخصيص مساحات مدروسة للاستثمارات المحلية والأجنبية وفق نموذج" التجمعات الزراعية الإنتاجية"، بحيث تُوجَّه هذه الاستثمارات لإنتاج الأعلاف والشعير والمحاصيل البستانية ذات القيمة التصديرية أو المرتبطة بعقود مع الصناعات الغذائية.
وبيّن أن هذا التوجيه يضمن أن الاستصلاح لا يتحول إلى توسع عشوائي، بل لتوسع موجّه نحو سلاسل قيمة زراعية وصناعية متكاملة، مبيّنا أنه من المهم أن يتضمن النموذج آلية توزيع عادلة للمياه الناتجة عن مشاريع الحصاد المائي، بحيث يحصل المستثمرون على حصص محددة وواضحة، مع السماح بحفر الآبار العميقة لأغراض الري التكميلي، ضمن ضوابط مائية صارمة، بما يحقق التوازن بين التوسع الزراعي واستدامة الموارد المائية.
أما البعد الاجتماعي، فبين المصري بأنه يجب أن يكون جزءا بنيويا من النموذج الاستثماري وليس ملحقا به.
ويمكن تحقيق ذلك باشتراط منح نسبة من الأسهم (بحدود 10 %) للجمعيات التعاونية الزراعية في المجتمعات المحلية المحيطة بالمشاريع، مبينا أن هذا الشرط يحقق 3 نتائج متزامنة: تعزيز قبول المجتمعات المحلية للمشاريع، خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبنائها، وضمان حصول هذه المجتمعات على عوائد مالية مستدامة من أرباح الشركات المستثمرة.
وقال المصري، في هذه الخطوات، يتحول استصلاح أراضي الخزينة من مشروع توزيع أراضٍ إلى برنامج تنموي متكامل، يجمع بين الأمن الغذائي، وجذب الاستثمار، وتنمية الريف، وبناء شراكة حقيقية مع المجتمعات المحلية، وهو ما يمثل نقلة نوعية في دور القطاع الزراعي كرافعة للنمو الاقتصادي.
فيما أكد الخبير د.
نبيل بني هاني، أن استصلاح أراضي الخزينة رافعة وطنية لتوسيع الرقعة الزراعية وتوفير فرص عمل مستدامة للشباب، مبينا أن هذه الخطوة لا تهدف فقط لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، بل لتحويل أراضٍ غير مستغلة لمساحات إنتاجية تدعم الاقتصاد الوطني، وتدفع عجلة التنمية في محافظاتنا.
وبين بني هاني أن نجاح هذا المشروع مرهون بضوابط علمية صارمة؛ إذ أوصى بعدم التوجه لاستصلاح أراضي المناطق الجافة دون تأمين مصادر مائية مستدامة، كحصاد مياه الأمطار أو استخدام المياه المعالجة، تجنبا لاستنزاف المخزون الجوفي.
لذا، يجب إخضاع المشاريع لدراسات جدوى فنية وبيئية دقيقة، تضمن كفاءة استخدام الموارد وحماية التربة من التملح والتصحر.
وبشأن آليات التوزيع، أكد بني هاني على اعتماد نظام" الاستثمار التنافسي" القائم على الشفافية والعدالة، بحيث تُمنح الأولوية للمشاريع الزراعية التشاركية والتعاونيات الشبابية التي تتبنى التكنولوجيا الحديثة، وتخصيص الأراضي وفق عقود إيجار طويلة الأمد مشروطة بجدول زمني للتنفيذ، مع فرض رقابة دورية لضمان الالتزام بالخطط الإنتاجية، وسحب التراخيص من المشاريع غير الجادة لضمان جدية الاستثمار.
وقال إننا نتطلع إلى تحويل هذه الأراضي إلى نماذج استثمارية ذكية تركز على المحاصيل ذات القيمة التصديرية العالية، مع إدماج تقنيات الري الحديث والطاقة المتجددة في العملية الإنتاجية، مبينا أن الالتزام بتطبيق هذه الشروط هو الضمان الوحيد لتحويل هذا التوجه من مجرد خطط إلى مشاريع حقيقية توازن بين الطموح التنموي والحفاظ على مواردنا المائية المحدودة للأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك