بمبادرة من شباب آمن بفكرة التغيير ومناهضة كل أشكال التهميش والبؤس والفساد والاستبداد واقتصاد الريع، وعلى مدار 15 سنة، عاش المغرب تجربة حراكين؛ الأول اصطلح عليه بحراك 20 فبراير لسنة 2011، ودام لمدة تسعة أشهر، والثاني سُمّي بحراك “جيل زد”، ولم يدم إلا أسابيع بعدما انطلق أواخر شهر شتنبر من السنة الفارطة 2025.
إذا كانت حركة 20 فبراير ذات هوية سياسية، بالنظر إلى طبيعة مطالبها المتمثلة في تغيير الدستور، وفصل السلطة عن الثروة، ومحاربة الفساد والاستبداد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن هوية حراك شباب “جيل زد” أخذت بُعدا اجتماعيا، حيث طالب بتحسين جودة الخدمات في قطاعات الصحة والتعليم والشغل، محمّلا الحكومة مسؤولية الفشل في هذه القطاعات الاجتماعية، ومن ثم طالب بإقالتها أو بإجراء انتخابات سابقة لأوانها.
مع الإشارة إلى أن حراك شباب “جيل زد” استمد روحه من حراك 20 فبراير على مستوى تجاوز الفاعل السياسي الرسمي، وكسر حاجز الخوف، والرغبة في التغيير نحو غدٍ أفضل، نحو وطن يسع جميع أبنائه وبناته، ينشد الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
ينبغي التنبيه إلى أنه خلال الفترة الممتدة من 20 فبراير 2011 إلى غاية 24 نونبر من السنة ذاتها، بلغ عدد الذين زُجّ بهم في مخافر الشرطة على خلفية احتجاجات حراك شباب 20 فبراير بالمغرب، حسب تقارير صادرة عن هيئة دفاعهم، 1193 ناشطا، فيما وصل عدد الذين أُصيبوا بكسور وجروح ورضوض إلى 595 شخصا.
في حين بلغ عدد الذين توبعوا قضائيا 277 ناشطا، كما قدمت الحركة شهداء إبان حراك 20 فبراير، من بينهم كمال عماري وعبد الوهاب زيدون.
وقد تم حفظ ملفي الشهيدين من طرف الجهات القضائية، رغم ما اعتبرته تقارير حقوقية ثبوت مسؤولية الدولة في الحادثين.
في المقابل، بلغ عدد التوقيفات في صفوف حراك شباب “جيل زد”، الذي لم يدم إلا أياما قليلة، أزيد من 5780 توقيفا، بحسب تقرير رسمي لرئاسة النيابة العامة، إضافة إلى تقارير متواترة عن هيئات حقوقية.
وتم تقديم 2480 منهم أمام النيابة العامة، وتوبع 1473 في حالة اعتقال، و959 في حالة سراح، من بينهم فتيات وقاصرون بين معتقل وموقوف.
إن القاسم المشترك بين الحراكين هو لغة القمع التي كانت سيدة الموقف، فضلا عن نهج أسلوب الشيطنة للحركتين من قبل إعلام موالٍ غير مستقل، ونخب انتهازية تخدم أجندات السلطة الحاكمة مقابل امتيازات وريع القرب منها.
ومن السمات المشتركة بين الحركتين أيضا نهج السلطات المغربية للمقاربتين الأمنية والقضائية في احتوائهما والتضييق على نشطائهما، من خلال أساليب القمع والأحكام القاسية والمبالغ فيها، التي وصلت في بعض الحالات إلى الوفاة وأحكام بالسجن لمدة 15 سنة، مع تسجيل العديد من الخروقات التي طالت عمليات التوقيف، والوضع تحت الحراسة النظرية، ومراحل المحاكمة.
كما يُسجل أن احتجاجات الحركتين انبثقت من رحم الفضاء الرقمي، حيث يلتقي الشباب المحتجون، ويرتبون أفكارهم ونقاشاتهم، وينظمون خرجاتهم الاحتجاجية.
كما رُفعت شعارات تكاد تتكرر في احتجاجات الحركتين، من قبيل تحقيق العدالة الاجتماعية، وشعارات “الرحيل” التي تدعو بعض الشخصيات السياسية، بعينها، إلى مغادرة المشهد السياسي المغربي.
ترى، أين المغرب من المبادئ الكبرى المؤطرة لمجمل التجارب الكونية في طي صفحة الماضي وتحقيق العدالة الانتقالية، وفتح عهد جديد تُحترم فيه الحقوق وتُصان فيه الكرامة الآدمية؟وأين هو من مبادئ كشف الحقيقة، وعدم الإفلات من العقاب، وجبر الضرر، وتوفير الضمانات الكفيلة بعدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك