تعيش الأوساط الشعبية والنقابية في الأردن حال غليان وغضب عقب إقرار مجلس الوزراء قانوناً معدلاً لقانون الضمان الاجتماعي لعام 2026.
وفيما وصفت الحكومة هذه التعديلات بأنها" جراحة ضرورية" لضمان الاستدامة المالية، اعتبرها مراقبون ومواطنون" ضربة موجعة" للقوة الشرائية وحقوق الأجيال المقبلة، وسط تحذيرات جادة من تحول حال" الاحتقان الرقمي" إلى احتجاجات ميدانية واسعة في الشارع.
وبموجب التعديلات أصبحت الشيخوخة مؤجلة والتقاعد مستحيل على حد وصف خبراء ومتخصصين، بعد رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجاً ليصل إلى 65 سنة للذكور و60 سنة للإناث ورفع مدة الاشتراك الفعلي المطلوبة للتقاعد المبكر لتصل إلى 30 سنة عمل.
في المقابل، تدافع الحكومة والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي عن هذه الخطوات، معتبرة أن الدراسات التي أجرتها تدق ناقوس الخطر، وتنذر بعدم القدرة مستقبلاً على صرف رواتب تقاعدية.
ويلقي مسؤولون باللائمة على فاتورة التقاعد المبكر التي استنزفت الصناديق المالية للضمان، إذ يُنفق 176 مليون دينار شهرياً (248 مليون دولار أميركي تقريباً)، يذهب أكثر من 60 في المئة منها لمصلحة التقاعد المبكر، مما يهدد قدرة المؤسسة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الأجيال المقبلة.
وفي سياق النقد المؤسسي، يصف المركز الأردني للحقوق التعديلات المقترحة بأنها اختزال لعملية الإصلاح عبر تغليظ شروط التقاعد على حساب الحمايات الاجتماعية، مؤكداً على أن" معالجة أزمة الضمان يجب أن تبدأ من مكافحة التهرب التأميني الذي يطاول 22 في المئة من العاملين، ومراجعة التشريعات وتوسيع مظلة الشمول لتتضمن الـ50 في المئة من العمالة القابعة حالياً خارج الأمان الاجتماعي".
على جانب آخر اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بوسم #لا_لتعديلات_الضمان، وسط اتهامات للحكومة بمحاولة حل أزماتها المالية على حساب المواطنين، بينما اعتبرت فعاليات نقابية أن رفع سن التقاعد لا يتناسب مع طبيعة سوق العمل الأردنية التي تعاني بطبيعة الحال ارتفاع معدلات البطالة.
في موازاة ذلك يأخذ آخرون على الحكومة تفردها بهذا القرار المصيري، وسط مخاوف من أن تؤدي زيادة سنوات الخدمة إلى تقليص القيمة الشرائية للراتب التقاعدي عند استحقاقه.
وتداول ناشطون انتقادات لاستثناء فئات معينة من كبار المسؤولين من تبعات هذه القوانين.
وسط ذلك كله تجري مشاورات لتشكيل" ائتلاف وطني" يضم مؤسسات مجتمع مدني ونقابات مهنية للضغط على مجلس النواب لرفض التعديلات أو تعديلها جوهرياً، خشية أن يتحول هذا الملف إلى شرارة لعودة الحراك المطلبي للشارع بعد أعوام من هدوئه.
وفي ظل الجدل حول سن التقاعد، تبرز مادة قانونية مثيرة للريبة في مشروع القانون المعدل، يراها الخبير الحقوقي ومسار التأمينات موسى الصبيحي" فخاً يوسع فجوة الحماية بدلاً من ردمها".
ويوضح أن" هذا التوجه يحمل أخطاراً بنيوية، ففي وقت ترفع الحكومة عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد بصورة تعجيزية، تأتي لتقطع عن العامل سنة كاملة من مدة خدمته، مما يؤخر وصوله إلى أمن الدخل المستقبلي ويخلق فجوة في مساره التأميني"، مضيفاً أن" التعديل بصيغته الحالية يشكل 'مكافأة' للمنشآت التي كانت تضرب بالقانون عرض الحائط وتتهرب من شمول موظفيها، بينما يطبق القانون بصرامة على المنشآت الملتزمة، مما يضرب مبدأ 'العدالة التنافسية' وسيادة القانون في مقتل".
ويقترح الصبيحي بدائل عدة للحل، أولها قَصر التعديلات الجديدة على المشتركين الجدد فقط وزيادة سنة اشتراك واحدة فقط للمشتركين الحاليين في" المبكر"، وسنة ونصف السنة لسن الشيخوخة، مع وضع حوافز مالية لمن يختار البقاء لفترات أطول.
وفي توضيح رسمي مفصل لخلفيات التعديلات المقترحة، يؤكد مدير إدارة البحوث والدراسات في مؤسسة الضمان الاجتماعي محمد خريس أن" تعديل القانون ليس خياراً ترفياً، بل استجابة لنتائج الدراسة الاكتوارية الـ11 التي حددت عام 2030" نقطة تعادل" حرجة تتساوى فيها الإيرادات مع النفقات، لتبدأ بعدها مرحلة استنزاف عوائد الاستثمار، ثم الأصول بحلول عام 2038.
ويذكر خريس أن" كلفة تأمين الشيخوخة الحقيقية تصل إلى 44.
8 في المئة، بينما ما يُقتطع فعلياً هو 17 في المئة فقط، مما أنتج فجوة هائلة استدعت هذه التعديلات".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
ويبرر خريس هذه الإجراءات بـ" ضغوط ديموغرافية غير مسبوقة، إذ من المتوقع أن يتضاعف عدد المشتركين مرتين، بينما سيرتفع عدد المتقاعدين 12 ضعفاً"، مشيراً إلى أن المؤسسة دفعت2.
1 مليار دينار (2.
96 مليار دولار أميركي تقريباً) رواتب تقاعدية عام 2025، ومن المرجح أن يقفز هذا الرقم إلى4.
5 مليار دينار (6.
35 مليار دولار أميركي تقريباً) بحلول عام 2035.
وتتحدث الحكومة هنا عن جوانب إيجابية للتعديلات مثل رفع الحد الأدنى للرواتب المنخفضة ليستفيد منها نحو 20 ألف مواطن، إضافة إلى تخصيص واحد في المئة من فائض تأمين إصابات العمل لبرامج السلامة والصحة المهنية.
وتظهر الأرقام الرسمية أن التقاعد المبكر لم يعُد استثناءً بل أصبح القاعدة، إذ وصلت نسبة المتقاعدين مبكراً إلى 64 في المئة من إجمال المتقاعدين الجدد عام 2025.
وقفز عدد المتقاعدين مبكراً من 86 ألفاً عام 2015 إلى 196 ألفاً عام 2025 بزيادة 135 في المئة.
لكن الاتهامات تتجه هنا إلى الحكومة ذاتها بوصفها المحرك الأكبر لهذا النزيف، فإن 67 في المئة من الذين تقاعدوا مبكراً خلال الفترة الأخيرة خرجوا من مؤسسات القطاع العام.
أما بخصوص الفارق بين ما يدخل من اشتراكات وما يخرج كرواتب، فهو في تراجع حاد، إذ كان الفائض 467 مليون دينار (659 مليون دولار أميركي تقريباً) عام 2022، في حين أن التوقعات تشير إلى أنه إذا استمر التراجع، سيصل الضمان إلى" عجز اشتراكات" عام 2032، فيتساوى الدخل مع المصروف.
الأرقام ذاتها تلفت إلى معضلة العمالة الوافدة، فمن أصل 1.
5 مليون عامل وافد في الأردن، لا يشترك في الضمان سوى 15 في المئة منهم فقط.
لكن ما يقلق الأردنيين أكثر هو أن إجمال الموجودات تقترب من حاجز 16.
8 مليار دينار (23.
7 مليون دولار أميركي تقريباً) مطلع العام الحالي، بينما تدين الحكومة لصندوق الضمان بنحو 10.
5 مليار دينار (14.
8 مليون دولار أميركي تقريباً)، أي ما يعادل 64 في المئة من إجمال أموال الأردنيين.
ويضع الجدل المحتدم حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026 الدولة الأردنية أمام اختبار مفصلي مع تحذيرات قلقة من التأثير في جوهر السلم المجتمعي، فبينما تتسلح الحكومة بالأرقام لتبرير" الجراحة" التي تريد إجراءها على سن التقاعد، يرى مراقبون أن الأزمة تكمن في إدارة الملف وضخامة الاستدانة من أموال المشتركين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك