كلما ارتفع صوتُ هند رجب، ارتفع صوتُ السردية الفلسطينية مصرّاً على مقاومة المحو.
من ثمّ لا يكفّ بعضهم عن محاولة إخماد هذا الصوت.
لقد تجاوزت إبادةُ الوجود الفلسطينيّ الحربَ على الأرض إلى الحرب على الرواية بالطرق كلّها: بالتشويه والتزييف والتعويم والترهيب، وبالترغيب أيضاً، كلّما أمكن ابتزاز الصمت.
في هذا الإرهاب الرمزي، تتحوّل الجوائز أحياناً إلى حبوب تنويم.
جائزة هنا، منصّة هناك، مع" لِجامٍ" من الاعتدال كي لا يخرج الألم على السيطرة.
شيئاً فشيئاً، تصبح الجائزة كنايةً عن" إمساك العصا من الوسط".
لذلك بدت لحظةُ كوثر بن هنية وهي ترفض الجائزة، في مهرجان برلين السينمائي 2026، لحظةً إبداعيّة وأخلاقيّة فارقة.
لم يكن رفضها مجرّد موقف احتجاجي، بل كان رفضاً لأن تتحوّل الجائزة إلى كاتم صوت ومجزرة قيمة.
قد يكون إمساك العصا من الوسط في نزاعٍ عاديّ من طرق تقليل الخسائر.
أمّا حين يتعلّق الأمر بإبادةٍ واقعةٍ تحت احتلال، فإنّ تحويل" الوسطيّة" إلى موقعٍ أخلاقي ليس اعتدالاً، بل ممرٌّ سرّيّ للهروب من القيم.
هذا بالضبط ما بدا وكأنه" الحدث" في أمسية" السينما من أجل السلام": تكريم فيلم" صوت هند رجب" بوصفه" الأكثر قيمة"، وفي الليلة نفسها، تكريم شريط وثائقي كندي، يعتبر الجنرال الصهيوني السابق نوعام تيبون بطلاً أنقذ أسرته خلال عمليّة طوفان الأقصى.
هكذا أُريد للجائزة أن تصبح رغيفاً من نصفين: نصف لمن يروون القصة من جهة الرقبة، ونصف لمن يروونها من جهة السكين.
والنتيجة؟ سلامٌ على طريقة: أعطِ الضحية وردة وأعطِ الجلاد زَهرية.
ليست المشكلة في وجود سرديّتين في فيلمين ينسف أحدُهما الآخر، فالسينما في جوهرها مساحة اشتباك.
المشكلة في المنطق المقلوب: حين يُوضع الألم في كفّة، والخلاص (أو النجاح) الفردي في كفّة، ثم يُسمي الميزان “سلاماً”، فإنّنا لا نصالِح العالم، بل نذرّ عليه المساحيق؛ مكياجٍ سريع يُخفي الجرح كي تستمرّ اليد في الذبح بلا فضيحة.
من ثمّ يبدو رفضُ المخرجةِ التونسيّة الجائزةَ أكثر من موقف سياسي.
كان تصحيحاً لمعنى الإبداع نفسه.
كأنّها تقول للقاعة وللّغة معاً: إنّ كلمة" سلام" لا تصلح قناعاً لجريمةٍ جارية.
ما قيمة تمثالٍ صغير وما قيمة الإبداع عامّةً، إذا كان الثمن التغاضي عن شروط الإنسانيّة؟
بهذا المعنى، لم تدافع كوثر بن هنيّة عن الإنسان الفلسطيني فحسب، بل عن فكرة الإنسان ذاتها، وعن معنى القيمة حين تنفصل عن الحقيقة.
لقد بدا توزيع الجوائز تدريباً عمليّاً على تقسيم الضمير.
يصبح الضمير منطقةً مُبَلقَنة: جزء يبكي قليلاً كي لا يُتّهم بالقسوة، وجزء يبتسم قليلاً كي لا يُتّهم بالعداء.
هكذا يولد إنسانٌ جديد: محايدٌ بالتقسيط.
يدفع قسطَ التعاطف هنا وقسطَ التطبيع هناك، ثم يوقّع في النهاية على عقد" الاعتدال" الذي يضمن استمرار السوق الأخلاقي.
ولأنّ برلين ليست مدينة عاديّة في ذاكرة القرن، يبدو هذا النوع من الوسطيّة أكثر فجاجة.
لقد تعلّم العالم من هذه المدينة، عبر تاريخها الدموي، أنّ الحياد أمام آلة الإبادة ليس موقفاً ثالثاً، بل هو انحيازٌ صريح.
هنا تتحوّل عبارة" السينما نقيض السياسة" إلى طرفة ثقيلة.
ليست السينما نقيض السياسة، بل هي المكان الذي تتعرّى فيه السياسة حين ترتدي قناع الفن.
ولم يكن غريباً، من ثمّ، أن يوقّع أكثر من ثمانين مشاركاً حالياً وسابقاً في" البرليناله" رسالةً مفتوحةً تنتقد صمت المهرجان والتضييق على الأصوات المدافعة عن الفلسطينيين.
لم تكن هذه الأسماء هامشيّة: تيلدا سوينتون، خافيير بارديم، براين كوكس، نان غولدين، مايك لي، آدم مكاي.
هذه ليست مجرّد ضوضاء منصّات، بل هي نزاعٌ داخل بيت السينما نفسه، وبركانُ أسئلة ينفجر من داخل بيوت الإبداع عموماً: هل نريد سلاماً يلمّع السكاكين أم سلاماً يمنعها من الذبح؟ هل نريد رحلة محفوفة بكلّ ما تتطلّبه حياةٌ جديرة بالأحياء، أم نوعاً من الموت اللمّاع على السجاد الأحمر، في المنتصف التافه من كلّ شيء، حيث المسافة الآمنة لمشاهدة الجريمة؟ هل نريد مهرجاناتٍ تشبه المتاحف، وتعرض الألمَ بإضاءةٍ جميلة، أم منصّاتٍ تعترف بأن الضوء لا يكون أخلاقيّاً إلا إذا كشف سبب الظلام؟ هل نريد سرديّاتٍ تبيع قِيَمها لتلمع في المنصّات، أم سرديّةً تجوع ولا تأكل بِقِيَمِها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك