لم يعد ضبط مخازن تحتوي على مواد غذائية منتهية الصلاحية، أو اكتشاف حالات تلاعب بتواريخ الإنتاج والانتهاء، خبرًا صادمًا كما ينبغي أن يكون.
فمع تكرار هذه الوقائع، يبرز تساؤل جوهري: إلى متى سيستمر البعض في الاتجار بصحة الناس دون وازع من ضمير أو خوف من عقاب؟إن الغش في الأغذية ليس مجرد مخالفة تجارية يمكن تجاوزها بالغرامة أو التنبيه، بل هو جريمة مكتملة الأركان، تستهدف صحة المجتمع بشكل مباشر، وتمس أمنه الغذائي، وتعرض الفئات الأكثر ضعفًا — من أطفال وكبار سن ومرضى — لمخاطر صحية قد تكون جسيمة، بل وربما مميتة.
فحين يقوم تاجر أو مورد بتغيير تاريخ الصلاحية عمدًا، فهو لا يبيع منتجًا فاسدًا فحسب، بل يبيع خطرًا خفيًا لا يراه المستهلك إلا بعد فوات الأوان.
لقد وضعت مملكة البحرين، شأنها شأن الدول الحريصة على صحة مجتمعها، أطرًا قانونية واضحة لحماية المستهلك، تتضمن غرامات مالية، وإغلاق المنشآت المخالفة، وإتلاف البضائع الفاسدة، بل وإحالة المخالفين إلى النيابة العامة في الحالات الجسيمة.
وهذه إجراءات ضرورية ومهمة، وتعكس إدراكًا رسميًا لخطورة هذه الجرائم.
غير أن تكرار ضبط مثل هذه المخالفات يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى كفاية الردع الحالي.
فالعقوبة لا تؤدي دورها الحقيقي إلا عندما تشكل رادعًا فعليًا يمنع تكرار الجريمة.
ومن هنا، قد يكون من المناسب دراسة تشديد العقوبات، سواء من خلال مضاعفة الغرامات، أو نشر أسماء المنشآت المخالفة وفق الأطر القانونية، أو منع المتورطين من مزاولة النشاط التجاري لفترات زمنية كافية.
فصحة المجتمع لا تحتمل التساهل، ومن يعبث بها يجب أن يتحمل تبعات فعله كاملة.
وفي المقابل، لا تقع المسؤولية على الجهات الرقابية وحدها، رغم الدور المحوري الذي تقوم به.
فتعزيز الرقابة الميدانية المفاجئة، وتفعيل أنظمة التتبع الإلكتروني للمنتجات، وتشجيع الإبلاغ عن المخالفات عبر قنوات آمنة، كلها أدوات فعالة للحد من هذه الظاهرة.
كما أن وعي المستهلك يشكل خط الدفاع الأول، من خلال التحقق من تواريخ الصلاحية، والإبلاغ عن أي مخالفات أو شبهات.
ولا بد في هذا السياق من الإشادة بالجهود التي تبذلها وزارة الصناعة والتجارة وفِرق التفتيش التابعة لها، والتي أثبتت يقظة عالية في رصد المخالفات والتعامل معها.
إن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية في حماية صحة المجتمع وتعزيز الثقة في الأسواق.
إن الغش في الأغذية ليس مجرد تجاوز للنظام، بل خيانة للأمانة، واعتداء على حق الإنسان في غذاء آمن.
ومواجهة هذه الجريمة تتطلب حزمًا مستمرًا، وتشريعات رادعة، ورقابة فاعلة، ووعيًا مجتمعيًا يقظًا.
فالمجتمع الذي يحمي صحة أفراده، يحمي مستقبله.
ولا يمكن القبول بأي تهاون عندما تكون صحة الناس على المحك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك