يحتفل السعوديون في الثاني والعشرين من شهر فبراير (شباط) من كل عام، بعد أمرٍ ملكي دُمغ بتوقيع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز صدر في يناير (كانون الثاني) من عام 2022 بـ" يوم التأسيس"؛ في خطوة تحاكي المحافظة والاعتزاز بالعمق الثقافي والتاريخي والحضاري للسعودية.
ويرمز يوم التأسيس، لبناء الدولة السعودية الأولى؛ ففي عام 1139ه/1727م تولى الإمام محمد بن سعود، الحفيد السابع في سلسلة النسب للأمير مانع المريدي، حُكم الدرعية، وبدأ ما عرف في التاريخ بتأسيس الدولة السعودية الأولى.
وكان قد سبق توليه حكم الدرعية بعامين، نهاية حكم والده الأمير سعود بن محمد بن مقرن، الذي امتد قرابة خمسة أعوام ما بين الأعوام (1137-1132ه 1725-1720م) وشهدت خلالها إمارة الدرعية، أحداثاً نقلتها من صيغة (المدينة الدولة) إلى دولة صاحبة نفوذ في وسط شبه الجزيرة العربية.
وبشرحٍ لمفهوم" المدينة الدولة"؛ فهو نوع من الحكم، الذي ساد في مناطق عدة من العالم عبر أزمنة تاريخية مختلفة، وقد عرفته أوروبا في" المدن الدولة" الإيطالية، قبل توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر الميلادي، مثل (البندقية، وجنوة) اللتان كانتا تسميان جمهوريتان، ولهما نفوذ كبير في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكانتا تسيطران على مواني كبرى فيه.
كما امتلكتا نفوذاً في نقل تجارة الشرق المارة عبر الموانئ المصرية إلى أوروبا، إبان العصور الوسطى وبدايات التاريخ الحديث، عند نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، بعد اكتشاف البرتغاليون والإسبان لطرق تجارية جديدة، غير الطرق التقليدية والتي كانت تسيطر عليها ممالك إسلامية، وتجار مسلمون.
في سياق متصل، عرفت الحضارة الإغريقية القديمة ذلك النوع من الحكم (المدينة الدولة) في كثير من مدنها الكبرى، مثل (أثينا واسبرطة وكورنثا وسرقوسة وآرغوس)، وكان لكل واحدة منهن نفوذ سياسي وحضاري كبير، لا زال حتى اليوم ذا حضور في الثقافة الأوروبية.
وبحسب بحوث كشفت عنها دارة الملك عبد العزيز – وهي الذراع الحكومي المسؤول عن الأرشيف السعودي -، فقد رأى الإمام محمد أن تجربة الدرعية بلغت مرحلة متقدمة من النضج، وأنه ينبغي الانتقال بها إلى مرحلة جديدة، تندمج بها تجربة دولة المدينة بمفهوم أوسع وأكبر، يضم معظم أرجاء الجزيرة العربية.
وبناء على ذلك المفهوم؛ سعى الإمام محمد بن سعود خلف حلم الوحدة حتى استطاع تحقيقه، فمنذ أن تولى مقاليد الحكم في الدرعية عام 1139ه/1727م، إلى أن أعلن تأسيس الدولة السعودية الأولى، وبدأ مشروعه الكبير بتنظيم الأوضاع في الدرعية العاصمة حيث وحد جهاتها.
كان تأسيس الدولة السعودية الأولى بمنزلة حجر الأساس لنهضة سعودية شاملة في جوانب متعددة، شملت الجانب السياسي والثقافي والعلمي والاقتصادي والاجتماعي.
فحينما يتم النظر لأول عمل قام به الإمام محمد بن سعود بعد توليه الحكم، فيلفت الانتباه قراره توحيد شطري الدرعية، وهذا إثبات واضح وتطبيق عملي لرؤيته الثاقبة، وتركيزه بشكل رئيسي على الوحدة.
بناء الاقتصاد وطريق الحج والتجارة.
ولم يفت على الإمام النظر لطريق الحج والتجارة، وهو طريق محوري ومهم يربط بين أرجاء الجزيرة العربية، وكان وادي حنيفة أحد المواضع التي يمر بها هذا الطريق، فرأى الإمام محمد أهمية تأمين الطريق وحمايته والتأكد من سلامة القوافل التجارية المارة به، ذلك أن قوة الاقتصاد من أهم عوامل الوحدة والبناء.
ومن أجل ذلك عقد الإمام محمد اتفاقيات عدة مع القبائل القريبة في الدرعية لتأمين الطريق والحفاظ عليه.
وطبقاً للروايات التي نقلتها" الدارة"، فقد تبنى الإمام محمد بن سعود الدعوة الإصلاحية، وعمل لحمايتها ودعم طلبة العلم، وجعل الدرعية منارة علمية وثقافية في المنطقة.
وشكّل تأسيس الدولة السعودية الأولى نقطة تحول كبرى في تاريخ الجزيرة العربية، التي لم تعرف الوحدة لأكثر من 1000 عام، ولذا كان محمد بن سعود شخصية استثنائية، ومهد بتأسيسه للدولة السعودية، لقيام أعظم دولة عرفتها الجزيرة العربية منذ عصر دولة النبوة والخلافة الراشدة.
وبتمحيص شخصية وحنكة الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى، يُكتشف أنه من أهم مؤسسي الدول في العصر الحديث، فقد وضع أساس دولة شارف عمرها على بلوغ 300 عام، لتشكل أعظم دولة عرفتها الجزيرة العربية منذ أكثر من ألف عام، فقد استطاع أن يؤسس الدولة على قاعدة صلبة، وأن يصمد ويعمل من أجل استمراريتها.
واستطاع مؤسس الدولة السعودية الأولى خلال مدة حكمه التي امتدت 40 عاماً، أن يحول المنطقة من إمارات متفرقة متشتتة إلى دولة واحدة، وتمكن من استيعاب الجميع وإدخالهم في الدولة الجديدة، واختار الدرعية لتكون عاصمة للدولة، وقام بتحصينها وتأمينها، لتكون أقوى المدن، ونقطة التقاء مهمة في طريق الحج والتجارة.
وامتدت رؤية محمد بن سعود إلى الناحية الاجتماعية، فقد حرص على مساعدة أبناء المجتمع وحثهم على الزواج، وحث الناس على تزويج بناتهم.
حتى أن الروايات التاريخية، تشير إلى أنه إذ رأى شاباً من أهل بلده وجماعته غير متزوج إلا سأل عن حاله.
فإذا قيل له أنه لا يملك شيئا من جهاز الزواج؛ جهزه، وأمره بالزواج.
وإذا امتنع أن يعطي أحد بنته لشخص خطبها؛ وهو كفؤ، سار محمد بن سعود بنفسه إليه، وعاتبه في رد ذلك، وهذا دليل على حرصه على وحدة المجتمع وتماسكه ورؤيته المستقبلية للدولة وشعبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك