المسمى السعودي في المدونات المبكرة ووعي المجتمع السياسي.
في دلالة واضحة على وعي مبكّر بالهوية السياسية والاجتماعية المرتبطة بقيادة أسرة آل سعود.
الوعي الجمعي يصوغ اسم الكيان ويمنحه شرعيته قبل تثبيت السلطة!
في تاريخ الأمم لحظات صامتة تختبئ في الهامش وتنتظر من يعيد إنصاتها إلى المتن، لحظات لا تحفظها السجلات الرسمية وحدها، بل تصونها الذاكرة الخاصة التي تقيم في المكتبات العائلية والمخطوطات المكنونة في البيوت والصدور.
وفي التاريخ السعودي على وجه الخصوص، تبدو هذه الذاكرة الخاصة أكثر عمقاً من كونها مجرد أوراق محفوظة، فهي تمثل وعياً مبكراً تشكل في سياق اجتماعي وديني وسياسي متماسك، وعبر عن نفسه بلغته الخاصة ومصطلحاته ورموزه، قبل أن تستقر التسميات الرسمية وتستكمل الدولة الحديثة ملامحها المؤسسية.
إن البحث في هذه المصادر غير المتداولة يكشف عن طبقات من التاريخ لم تكتب بعين السلطة وحدها، بل دونت بيد المجتمع ذاته، في لحظة وعي بالانتماء والقيادة والكيان.
تأتي المكتبات النجدية الخاصة في طليعة هذه الشواهد، بوصفها خزائن غير معلنة لتاريخ محلي بالغ الدلالة.
فهي لم تكن مجرد فضاءات للعلم، بل ساحات حفظ للوثيقة، وحواضن لمراسلات الدولة، ومرايا تعكس طبيعة العلاقة بين القيادة والمجتمع.
ومن بين هذه المكتبات النادرة تبرز مكتبة الشيخ العالم حمد بن فارس، التي تمثل نموذجاً فريداً لتداخل الدور العلمي والإداري في زمن تشكل الدولة السعودية بمراحلها المختلفة.
لقد أسهم موقع الشيخ ومسؤوليته في بيت المال ورعايته لطلاب العلم في جعله حلقة وصل بين المؤلفين والعلماء من جهة، وقيادة آل سعود من جهة أخرى، فغدت مكتبته مساحة تتقاطع فيها المعرفة مع السياسة، والتدوين مع الذاكرة الجمعية.
تكشف المخطوطات المحفوظة في هذه المكتبة عن حضور مبكر وواضح لمسمى السعودية والسعوديين، بوصفهما توصيفاً داخلياً نابعًا من السياق المحلي، لا انعكاساً لرؤية خارجية أو تسمية لاحقة.
هذا الحضور اللغوي والدلالي يعكس إدراكاً جمعياً لرمزية القيادة السعودية، ووعياً بالكيان السياسي في زمن الدولة السعودية الأولى، زمن لم تشكل فيه الدولة مجرد تحالف أو دعوة، بل مجتمع سياسي له اسم وهوية وانتماء.
وتبرز في هذا السياق كتابات مؤرخين محليين كبار، ممن تعاملوا مع هذه المسميات بوصفها أمراً متداولاً ومفهوماً في زمانهم، مما يمنحها شرعية تاريخية راسخة.
الوثــيقة النجـــدية ذاكـــرة الدولة والــهويـــة.
إعادة الاعتبار للسردية المحلية في كتابة تاريخ الدول.
وفي مقابل هذا الوعي المحلي، تظهر فجوة سردية أحدثتها الكتابات الغربية وبعض التوصيفات العثمانية، حين جرى اختزال الدولة والمجتمع في مصطلحات خارجية لا تعكس حقيقة الهوية ولا بنية المجتمع.
غير أن الوثائق المحلية غير المطبوعة، بما تحمله من مصطلحات صريحة وإشارات مباشرة، تعيد الاعتبار للرواية الأصلية، وتؤكد أن التسمية الرسمية اللاحقة تشكلت في سياق استمرارية عرف قائم، دون أن تنفصل عنه.
ومن هنا تنبع أهمية إعادة إدماج هذه الشواهد في الوعي المعاصر، ليس بوصفها مادة أرشيفية فحسب، بل باعتبارها ركيزة لفهم الهوية الوطنية في عمقها التاريخي.
إن هذا التقرير ينطلق من هذه الذاكرة المخطوطة ليعيد قراءة تشكل الهوية السعودية من داخل نصوصها الأولى، مستنداً إلى الوثيقة المحلية، ومصغيًا لصوت المؤرخ النجدي، ومؤكدًا أن التاريخ لا يكتب فقط بما أعلن، وإنما بما حفظ وانتظر لحظة ظهوره.
تكشف المكتبات الخاصة التي تحمل إرثًا تاريخيًا من المخطوطات والوثائق عن معلومات بالغة الأهمية لا نجدها أحيانًا في المصادر المطبوعة أو المتداولة، ويعود ذلك إلى حرص بعض الأسر، ولا سيما أحفاد طلاب العلم والقضاة وموظفي الدولة، على الاحتفاظ بما لديهم من وثائق ومخطوطات بعيدًا عن أيدي الباحثين والمهتمين، لأسباب اجتماعية أو علمية أو أمنية مختلفة.
وخلال البحث في أخبار الدولة السعودية بمراحلها المختلفة، بل وقبل قيامها الرسمي، تظهر إشارات مهمّة تتعلّق بالجوانب الاجتماعية والدينية والأمنية والسياسية، بما يعكس تشكّل مجتمع سياسي واضح المعالم، له رمزيته وهويته وقيادته.
وفي هذا السياق، أتاح البحث في إحدى أندر المكتبات النجدية، وهي مكتبة الشيخ العالِم حمد بن فارس (ت 1345هـ)، مادة علمية ثرية ذات دلالة خاصة، إذ تولّى الشيخ حمد بن فارس أعمال بيت المال، والعناية بطلاب العلم، في عهد الدولة السعودية الثانية، واستمر عطاؤه العلمي والإداري في بدايات الدولة السعودية الحديثة.
وكان من المعلوم أن بعض طلاب العلم كانوا يقدّمون مؤلفاتهم إلى أئمة آل سعود في الدولة السعودية الثانية، كما كانوا يُهدون الملك عبد العزيز - رحمه الله - كتبهم أو ما يقع بأيديهم من مؤلفات ووثائق تتعلّق بالجوانب التاريخية والعلمية، فكان الشيخ حمد بن فارس يقوم بحفظها والعناية بها بحسب توجيه الأئمة، مما أسهم في تكوين مكتبة ضخمة تجاوزت عناوينها الثلاثمائة عنوان، واحتوت على نوادر نفيسة تفوق الوصف.
مكتبة الشيخ العالِم حمد بن فارس من أندر المكتبات النجدية!
وقد استوقفني في عدد من مخطوطات هذه المكتبة وجود كتابات تتعلّق بتاريخ الدولة السعودية الأولى، تضمّنت إطلاق بعض المؤرخين المحليين ألفاظًا صريحة مثل «السعودية» و«السعوديون» على مجتمع الدولة، في دلالة واضحة على وعي مبكّر بالهوية السياسية والاجتماعية المرتبطة بقيادة أسرة آل سعود.
وتكشف هذه الوثائق عن مدى ارتباط المجتمع برمزية قيادته في فترة مبكرة ضمن الدولة السعودية الأولى وتسبق الإعلان الرسمي لمسمّى المملكة العربية السعودية عام 1351هـ في عهد الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - كما يتبيّن أن اعتماد هذا المسمّى (السعودية) لاحقًا لم يكن ابتداعًا جديدًا، بل جاء تأكيدًا لما هو قائم في المدونات التاريخية المحلية.
كما نجد أن أحد أبرز المؤرخين وهو الشيخ حمد بن لعبون ( ت 1256 هـ ) يشير في أحد أهم التواريخ المحلية إلى لفظ السعودية وأن العرف كان قائمًا في تلك الفترة على الرمزية المهمة للأسرة السعودية وارتباط مسمى الدولة بها فقال: ( الدولة السعودية الحنفية ) فهنا ربط مسمى الدولة بآل سعود منذ فترة مبكرة أيام الدولة السعودية الأولى.
ويظهر من خلال هذه النصوص أن لفظ «السعوديون» كان متداولًا ومعروفًا في عهد الدولة السعودية الأولى، إلا أن بعض الكتّاب الغربيين عمدوا إلى إطلاق تسميات بعيدة عن مضمون المجتمع وهويته، مثل مصطلح «الوهابيين»، وهو توصيف خارجي حمل تفسيرات مائلة عن حقيقة الدولة ومجتمعها وكينونتها، وافتقر إلى الدقة التاريخية.
وفي المقابل، بقي لفظ «السعوديون» حاضرًا في بعض المدونات المحلية غير المطبوعة التي ظلّت حبيسة النطاق الخاص، فلم تحظَ بالانتشار، مما أسهم - للأسف - في غلبة مصطلح «الوهابيين» في عدد من الكتابات الغربية.
أما في الجانب العثماني، فنجد أن بعض الوثائق والمدوّنات الرسمية استخدمت وصف «الوهابية» من باب التوصيف السياسي أو الخصومة، في حين تشير بعض المكاتبات الأخرى إلى الدولة صراحة باسم «دولة آل سعود»، وهو ما يعزّز الاعتراف الضمني بالكيان السياسي القائم وقيادته.
وبناءً على ما تكشفه هذه الوثائق والمخطوطات المحلية من شواهد مبكّرة على استخدام لفظ «السعودية» و«السعوديون»، فإن من الضروري إدراج هذه الحقائق التاريخية الموثّقة ضمن مناهج التدريس المقرّرة في جميع المراحل التعليمية، لما في ذلك من إسهام مباشر في تقديم الصورة الحقيقية لهوية تاريخ بلادنا، وترسيخ رمزية الأسرة السعودية في الوجدان الاجتماعي بوصفها قيادةً ارتبط بها المجتمع منذ قرون عدة، إضافة إلى تعزيز الوعي التاريخي لدى الأجيال الناشئة وربطهم بجذورهم السياسية والاجتماعية، بعيدًا عن المصطلحات الوافدة أو التفسيرات الخارجية التي لا تعبّر عن حقيقة المجتمع السعودي وتاريخه.
المخطوط النجدي يوثق السياسة بلغة المجتمع!
الاسم السعودي يولد في التداول الاجتماعي ثم يستقر في الإعلان!
المكتبات الخاصة تحفظ تاريخاً سياسياً غاب عن السرديات الشائعة!
هذه الوثائق تشير إلى أن السعوديين جردوا سيوفهم لتوحيد بلادهم وتعاونوا على بنائه فمن ذلك في الوثائق (وجردّ السعوديون سيوفهم …) ثم في مخطوطة أخرى (على يد الطائفة السعودية …) وتضاف إلى ما أورده ابن لعبون بوصف الدولة (الدولة السعودية).
كما أن هذا الذكر ورد في الدعاء لائمة الدولة وقادتها وبالدعوة إلى بقاء هذا الكيان بقول بعضهم (أيدّ الله دولتهم وأدام عزهم وغفر لهم).
هذه بعض النماذج التي تنبئ لنا بأن المكتبات الخاصة تحمل نوادر وفرائد يمكن الاستعانة بها في رفد تاريخنا.
تنويه: * جميع الوثائق المنشورة في هذا التقرير تعود ملكيتها ضمن مقتنيات مكتبة الدكتور راشد بن محمد العساكر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك