في 22 فبراير من كل عام، تستحضر المملكة العربية السعودية لحظة مفصلية في تاريخها، تعود إلى عام 1139هـ /1727م، عندما أطلق الإمام محمد بن سعود مشروع الدولة من الدرعية، فاتحًا صفحة جديدة في تاريخ الجزيرة العربية.
هناك، في قلب شبه الجزيرة، حيث تتعانق جبال طويق مع وادي حنيفة، بدأت ملامح التحول.
لم تكن الدرعية قبل ذلك سوى واحة يغلب عليها التشتت، لكن الرؤية التي حملها الإمام غيّرت مسارها، لتصبح عاصمة لدولة قوية قامت على الأمن والاستقرار ووحدة الصف.
لم يكن القرار سياسيًا فحسب، بل كان رؤية لبناء كيان منظم ومستقل.
عمل الإمام على توحيد شطري الدرعية، وتحصينها، وتأمين طرق الحج والتجارة، لتتحول إلى مركز استقرار في منطقة العارض.
ومن أحياء مثل حي الطريف و«غصيبة»، انطلقت ملامح الدولة السعودية الأولى، ممتدة إلى نجد، ومرسخة دعائم وحدة سياسية وثقافية واجتماعية.
كان التأسيس بناءً للإنسان قبل البنيان، وتجسيدًا لقيم الحق والعدل والوحدة.
الإمام محمد بن سعود.
سيرة قائد في زمن التحديات.
وُلد الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن عام 1090هـ /1679م في الدرعية، ونشأ فيها متحلّيًا بصفات القيادة والشجاعة والتديّن.
اكتسب خبرة مبكرة من عمله إلى جانب والده في إدارة الإمارة، ما منحه فهمًا عميقًا لأوضاعها.
شارك في الدفاع عن الدرعية حين تعرضت لهجوم من سعدون بن محمد، زعيم بني خالد في الأحساء، فصمد مع أهلها حتى دحروا المعتدين.
وعندما تولى الحكم في فبراير 1727م، كانت الدرعية تعاني من انقسام داخلي وانتشار الطاعون في الجزيرة العربية، إلا أنه استطاع تجاوز التحديات، وتوحيدها، وترسيخ الاستقرار في المنطقة.
الدرعية.
ذاكرة الأرض وبداية الامتداد.
بين جدران الطين في الدرعية، ارتسمت ملامح الدولة السعودية الأولى، لتبدأ رحلة امتدت عبر ثلاثة قرون من البناء والتطور.
واليوم، لا تمثل الدرعية مجرد موقع تاريخي، بل ذاكرة وطن يستحضر منها قيم التأسيس كل عام، مؤكدًا أن ما بدأ عام 1727م لم يكن لحظة عابرة، بل مسار دولة متجدد.
السعودية عالميًا.
حضور إنساني واقتصادي وتقني مؤثر.
على امتداد تاريخها الحديث، رسخت المملكة العربية السعودية حضورًا عالميًا فاعلًا، عبر أدوار إنسانية وتنموية واقتصادية واسعة.
إنسانيًا، تجاوزت مساعداتها 141 مليار دولار استفادت منها أكثر من 173 دولة، ونُفذ ما يزيد على 7.
983 مشروعًا إنسانيًا وتنمويًا حول العالم عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة والأمن الغذائي.
اقتصاديًا، تؤدي المملكة دورًا محوريًا في استقرار أسواق الطاقة العالمية بصفتها أكبر مصدّر للنفط، وتسهم في دعم التوازن بين العرض والطلب بما يعزز أمن الطاقة العالمي.
بيئيًا، أطلقت مبادرات طموحة لمواجهة التغير المناخي، أبرزها مبادرة السعودية الخضراء و«الشرق الأوسط الأخضر»، الهادفتان إلى زراعة 50 مليار شجرة وخفض الانبعاثات الكربونية عالميًا.
تقنيًا، أصبحت السعودية أول دولة عربية تنضم إلى تجمع الذكاء الاصطناعي التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وتحتل مرتبة متقدمة عالميًا في نماذج الذكاء الاصطناعي، في إطار استراتيجيتها للتحول الرقمي.
كما تقود مبادرات سلام إقليمية، من بينها مبادرة السلام العربية، إلى جانب دورها الروحي في خدمة ملايين الحجاج والمعتمرين سنويًا، وتقديم خدمات متكاملة لضيوف الرحمن، فضلًا عن دعمها للاجئين عبر خدمات صحية وتعليمية وإغاثية.
في يوم التأسيس، تتجدد الحكاية؛ من الدرعية التي شهدت البدايات، إلى دولة حاضرة في المشهد العالمي، تجمع بين عمق التاريخ واتساع التأثير، مستندة إلى إرث تأسيسي بدأ قبل ثلاثة قرون، وما زال يمضي بثبات نحو المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك