فَرَضَ اللهُ سبحانه وتعالى الصِّيامَ، وخصَّه عن سائرِ العباداتِ بالأجرِ الكبيرِ والثَّوابِ العظيمِ، بل نَسَبَهُ تعالى إلى نفسِه، فقال في الحديثِ القُدسيِّ: " كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّه لي وأنا أَجزي به، ولَخُلوفُ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ من ريحِ المسكِ" (أخرجه البخاري: 5927).
وشهرُ رمضانَ الكريمُ هو شهرٌ فُرِضَ فيه الصِّيامُ، واحتفى به القرآنُ الكريمُ، فذَكَرَهُ تصريحًا دونَ سائرِ الشُّهورِ، فقال اللهُ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185).
وبهذا الاحتفاءِ والتكريمِ لعبادةِ الصِّيامِ، يُدرَكُ أنَّ فيها كثيرًا من الحِكَمِ والأسرارِ، وهو ما يَجعلُنا نتساءلُ: لماذا نصوم؟ وأيُّ أسرارٍ تلك التي تنطوي عليها عبادةُ الصِّيامِ وشهرُ رمضان؟وقد أجابَ اللهُ تعالى في كتابِه الكريمِ عن السُّؤالِ الأوَّلِ، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
فالسرُّ الأكبرُ في الصِّيامِ، والحِكمةُ العُظمى منه، هو تحقيقُ تقوى اللهِ تعالى؛ فبالصِّيامِ تتزكَّى النَّفسُ، وتتذوَّقُ معنى التَّقوى.
فالنَّفسُ البشريَّةُ بطبيعتِها تميلُ إلى الشَّهواتِ، وتتشوَّقُ إلى نيلِ الملذَّاتِ، وتسعى لتحقيقِها والوصولِ إليها، وليس هناك شهوةٌ أقوى من شهوتَيِ البطنِ والفَرجِ.
فيأتي الصِّيامُ – وهو الإمساكُ عن هاتين الشَّهوتينِ – ليكبحَ جماحَ النَّفسِ، ويكسرَ اندفاعَها، ويُنقذَها من الغرقِ في بحرِ الملذَّاتِ والشَّهواتِ؛ فترتقي وتَتسامى عن دَنايا البشريَّةِ، وعن الخضوعِ للشَّهوةِ، وتخرجُ من العبوديَّةِ لها إلى العبوديَّةِ الحَقَّةِ، عبوديَّةِ اللهِ تعالى.
فالصَّائمُ يمسكُ عن شهوتهِ وملذَّتهِ للهِ وحده، وابتغاءَ مرضاتِه دونَ سواه.
وإذا استطاعَ الإنسانُ أن يكبحَ نفسَهُ وشهوتَهُ بالصِّيامِ، استطاعَ أن يهزمَ الشَّيطانَ، ويردَّ مكائدَهُ؛ فالصِّيامُ يُضيِّقُ مجاريَ الشَّيطانِ في النَّفسِ، وقد ثبتَ أنَّه يجري من ابنِ آدمَ مجرى الدَّمِ، فإذا صامَ الإنسانُ للهِ تعالى ضعُفَ سلطانُ الشَّيطانِ عليه، ووَهَنَ نفوذُهُ.
وبالتغلُّبِ على النَّفسِ والشَّيطانِ، يصلُ الإنسانُ إلى تقوى اللهِ تعالى، وهو ما يُستفادُ من قولهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وسرٌّ آخرُ من أسرارِ الصِّيامِ، أن يشعرَ الإنسانُ، حينَ يصومُ، بحاجةِ الفقيرِ والمحتاجِ الذي لا يملكُ ما يقتاتُ به؛ فيقعُ في نفسِ الصَّائمِ ما يقعُ في نفوسِ هؤلاء، فيرقُّ قلبُهُ لهم، وتذوبُ قسوتُهُ، ويستشعرُ حاجتَهم، فيُسارعُ إلى مواساتِهم، وتطييبِ خواطرِهم.
وفي الصِّيامِ من الأسرارِ والحِكَمِ ما لا يُحصى، غيرَ أنَّه يكفينا أنَّنا نصومُ لأنَّ اللهَ تعالى فرضَ علينا الصِّيامَ، ونحن عبادُهُ الذين نرجو مغفرتَهُ، ونبتغي رضاهُ.
بقلم د.
أسامة هاشم الحديدي مدير عام مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بمشيخة الأزهر الشريف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك