بين الأزقة الشعبية والشوارع الجانبية، تشعر ببهجة قدوم شهر رمضان، ولا تزال أياد أبنائها تتشبث بالهوية، وتُصرّ على أن يظل شهر رمضان كما عرفه المصريون قديمًا، بصناعة الزينات الرمضانية يدويا، دون ماكينات ولا إنتاج كمي، حيث تُصنع الزينات الرمضانية قطعةً قطعة، محملة بذكريات طفولة لم تفقد بريقها رغم تغير الزمن.
داخل إحدى الورش الصغيرة بمنطقة بحري، يجلس محمود زايد، صانع الزينة الرمضانية، منغمسًا في عمله بشغف واضح، بينما تحيط به الألوان، والخامات البسيطة التي تتحول بين يديه إلى مصادر للفرح، الورشة لا تغلق أبوابها أمام المارة؛ أطفال يتوقفون بدهشة، وكبار يستعيدون ذكريات رمضان زمان، في مشهد يُعيد للشارع الشعبي روحه القديمة.
ويقول محمود زايد، صاحب ورشة لصناعة الزينات الرمضانية، إن التحضيرات للشهر الكريم لا تبدأ مع اقتراب هلال رمضان، بل قبل ذلك بكثير، موضحًا أنه يبدأ العمل وتجهيز الخامات بعد عيد الأضحى مباشرة، من شراء الخامات والأوراق الملونة وأقمشة الخيامية، وفروع الإضاءة.
ويؤكد زايد أن الطلب على الزينة اليدوية لم يتراجع رغم انتشار البدائل الجاهزة والمستوردة، لافتًا إلى أن الجمهور ما زال يبحث عن الروح القديمة التي لا توفرها المنتجات المصنعة آليًا.
من الفانوس إلى شخصيات الذاكرة الشعبية.
ويشير صاحب الورشة إلى أن الزينة الرمضانية لم تعد تقتصر على الفوانيس فقط، بل شهدت تطورًا ملحوظًا في الشكل والمضمون، لتشمل مجسمات لشخصيات في الذاكرة الشعبية المصرية.
ويضيف زايد انه يقوم بصناعة الشخصيات الرمضانية ومنها بائع الفول، وبائع الحلبسة، والقطايف، والكنافة، والمسحراتي، وكمان مفارش وخداديات برسومات تراثية بتعكس أجواء رمضان.
ويتابع" زايد"، أنه بدأ رحلته بمنتجين فقط، قبل أن يتوسع تدريجيًا ليصل حاليًا إلى نحو 32 منتجًا يدويًا مختلفًا، يتم تطويرها سنويًا بما يتناسب مع ذوق الأطفال ويُدخل البهجة على قلوب الزبائن.
لا يرى زايد في مهنته وسيلة للربح فقط، بل رسالة إنسانية، مؤكدًا أن إسعاد الأطفال يأتي على رأس أولوياته، ويحرص على تقديم أفكار جديدة ومبتكرة تُخاطب خيال الطفل، وتُعيد له متعة الانتظار، والزينة، والاحتفال بالشهر الكريم.
وعن بداية رحلته مع الزينة الرمضانية، يروي زايد أنه تعلّم الصنعة على يد والده، الذي كان يعمل في صناعة الفوانيس الصاج التقليدية.
ويضيف والدي كان يبدأ العمل مع نصف شعبان، وتعلمت منه خطوة خطوة، ليس فقط الصانعة لكن حبها والصبر عليها.
ويؤكد أنه ورث عن والده الإيمان بأن هذه المهنة جزء أصيل من التراث المصري، ولا يجب أن تندثر مهما تغيّرت الظروف.
تفاصيل الصناعة.
من خامات بسيطة إلى فن متكامل.
ويكشف زايد عن كواليس الصناعة اليدوية، موضحًا أن الخامات في ظاهرها بسيطة، لكنها تمر بمراحل دقيقة ومعقدة، حيث استخدم زجاجات المياه الفارغة، والأسلاك المعدنية، وأقمشة، وأغطية زجاجات، لمجسمات فنية، تضيف الأجواء الرمضانية في المنازل.
ويؤكد أن صناعة الشخصية الواحدة، سواء بائع الفول أو شخصيات كرتونية مثل بكار أو بوجي وطمطم، تمر بنحو سبع مراحل متتالية، من اختيار الخامة وحتى الوصول للشكل النهائي المتقن.
ورغم التطور في أشكال الزينة، يظل الفانوس محتفظًا بمكانته الخاصة، باعتباره الرمز الأبرز لشهر رمضان.
ويقول زايد إن أول فانوس صنعه كان بطول 40 سنتيمترًا ويُضاء بلمبة بسيطة، أما اليوم فقد تعددت الأشكال والأحجام، مع الحرص الدائم على الحفاظ على روحه التراثية الأصيلة.
وعن الأسعار، يؤكد زايد أنه يحرص على تثبيتها منذ نحو خمس سنوات، رغم الارتفاع الكبير في أسعار الخامات، خاصة الأخشاب والمعادن، قائلًا" أنا في منطقة شعبية، وزبايني بيجولي كل سنة… مينفعش أزعلهم، فبحاول أزود أقل حاجة ممكنة”.
الزينة اليدوية في مواجهة المستورد.
ويشدد" زايد"، على أن الزينة اليدوية استعادت مكانتها تدريجيًا، مع تزايد الإقبال عليها عامًا بعد عام، في مقابل تراجع الذوق العام تجاه المنتجات المستوردة، والبلاستيكية، والعودة للزينات الرمضانية اليدوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك