هل يعيد الذكاء الاصطناعي الروح لمدننا القديمة؟تقف مدننا القديمة، كمدينة غدامس العريقة، شاهدة بصمت على قرون من العبقرية المعمارية والحياة الاجتماعية النابضة.
واليوم، ونحن نرى جدرانها الطينية تقاوم زحف الزمن وتحديات المناخ، يراودنا حلم طموح لإنقاذ هذا الإرث قبل أن يتلاشى.
نحن نتطلع بشغف إلى تسخير أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا لتوثيق كل حجر وكل زقاق فيها.
نطمح في المستقبل القريب إلى تسيير الطائرات بدون طيار فوق متاهاتها، واستخدام أجهزة المسح الليزري ثلاثي الأبعاد، وتطبيق تقنيات نمذجة معلومات البناء للتراث (HBIM) لتسجيل كل شق رسمته السنين على جدرانها، وكل تفصيلة دقيقة في أبوابها الخشبية المنحوتة.
الغاية من هذا المسعى التكنولوجي واضحة ومغرية؛ نحن نسعى إلى خلق توأم رقمي (Digital Twin) متطابق تماما مع المدينة الحقيقية.
نطمح إلى بناء مساحة افتراضية محصنة ضد عوامل التعرية والنسيان، جسد معماري مثالي يمكن للأجيال القادمة أن تتجول فيه وتدرس أدق تفاصيله بضغطة زر.
نعتقد أننا، من خلال هذه الدقة الهندسية الفائقة، سنتمكن أخيرا من إيقاف الزمن والاحتفاظ بمدننا التاريخية إلى الأبد، وحمايتها من الاندثار.
ولكن، وسط هذا الحماس التقني للبدء في عمليات التوثيق، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز حدود الأبعاد الثلاثية والبيانات الرقمية: عندما ننجح أخيرا في إنجاز هذا المسح الشامل، ونقف أمام نسختنا الرقمية المثالية، هل سيسعنا حقا الحصول على نفس الروح والحس الحقيقي للمدينة؟ هل تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي ومستشعرات الليزر، مهما بلغت دقتها، أن تلتقط صدى أصوات الباعة التائه في برودة الأزقة؟ هل يمكن للنماذج الافتراضية أن توثق دفء جلسات النساء وحكاياتهن المتداخلة على الأسطح تحت سماء الصحراء، أو وقع خطوات المارة التي صقلت أحجار الطرقات لمئات السنين؟إن الجسد الرقمي الذي نطمح إلى خلقه قد يكون مكتملا وخاليا من العيوب، لكنه في جوهره يظل باردا وصامتا.
لعلنا وجدنا الأداة التي تخلد الحجر، غير أننا نقف اليوم أمام التحدي الأكبر: كيف نضمن ألا تتحول مشاريعنا المستقبلية لتوثيق التراث إلى مجرد بناء مقابر رقمية عالية الدقة؟ وكيف يمكننا توجيه هذا الذكاء الاصطناعي، ليس فقط لنسخ الجدران، بل لمحاولة استعادة أو محاكاة الروح التي جعلت من هذه الأماكن مدنا حية في المقام الأول؟العمارة التقليدية، وخاصة العمارة الطينية والصحراوية كما في غدامس وغيرها، ليست كالتماثيل أو اللوحات المحفوظة في المتاحف.
فخ المقابر الرقمية وتعقيم التاريخ.
نعيش اليوم في عصر يتسم بهوس التوثيق والأرشفة، حيث تتسابق المؤسسات الأكاديمية والثقافية حول العالم لإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد للمواقع الأثرية المهددة.
هذا السباق التكنولوجي مدفوع باعتقاد سائد ومغر بأن تحويل الطين والحجر إلى بيانات (Data) وبيكسلات هو الملاذ الأخير والنهائي لإنقاذ التراث.
تمنحنا التكنولوجيا هنا وهما مريحا؛ شعورا زائفا بالانتصار، وكأننا أنقذنا المدينة بمجرد أن رفعنا تفاصيلها المعمارية على خوادم سحابية آمنة.
لكن هذا الهوس المفرط يخفي فخا خطيرا، وهو ما يمكن تسميته بفخ المقبرة الرقمية.
تكمن المشكلة العميقة في أن هذا التوأم الرقمي الذي نسعى إلى خلقه يقدم لنا نسخة معقمة ومثالية من التاريخ.
إنه يلتقط الأبعاد الهندسية ببراعة، لكنه يمحو الفوضى الجميلة للحياة اليومية.
عندما نكتفي بمسح المباني وتجميدها في لحظة زمنية معينة، فإننا في الواقع نقوم بتحنيط العمارة.
التوثيق الرقمي المجرد يجرد المكان من طبيعته المتغيرة ووظيفته الأساسية؛ فالعمارة لم تبن لتشاهد من خلف الشاشات كلوحة فنية صامتة، بل بنيت لتعيش.
بنيت لتتفاعل مع ساكنيها، لتتآكل عتباتها بفعل الخطوات، ولتتعدل جدرانها وتتوسع مساحاتها استجابة لاحتياجات الأجيال المتعاقبة.
إننا ننسى حقيقة جوهرية: العمارة التقليدية، وخاصة العمارة الطينية والصحراوية كما في غدامس وغيرها، ليست كالتماثيل أو اللوحات المحفوظة في المتاحف.
إنها عمارة عضوية تحتاج إلى الإنسان لتبقى على قيد الحياة.
الطين يحتاج إلى أنفاس ساكنيه، وإلى حرارة أجسادهم، وإلى الصيانة اليدوية الدورية التي يقومون بها.
غياب الإنسان لا يعني فقط صمت المدينة، بل يعني انهيارها الفيزيائي الحتمي.
فالنموذج الرقمي المحفوظ على حاسوب فائق الذكاء لن يمنع السقف الطيني في العالم الواقعي من الانهيار إذا لم تمتد إليه يد الساكن لترميمه.
وهنا نقع في مفارقة مكانية واجتماعية مؤلمة: لمن نبني هذا التوأم الرقمي؟ إذا كان المواطن المحلي قد هجر مدينته القديمة بحثا عن مكيف هواء، أو شبكة صرف صحي حديثة، أو اتصال بالإنترنت في المدينة الجديدة، فإننا ببناء هذه النماذج الافتراضية نصنع تراثا موجها للاستهلاك البصري الخارجي.
نصبح وكأننا نعد المدينة ليلبس الباحث الأجنبي أو السائح نظارات الواقع الافتراضي (VR) ويتجول في أزقتها من غرفته في الجانب الآخر من العالم، بينما تترك المدينة الحقيقية لتتداعى.
هذا نوع من الاستشراق الافتراضي، حيث نهتم بصورة المكان (The Image) أكثر من اهتمامنا بصلاحيته للسكن (Habitability).
إن حصر طموحنا التكنولوجي، سواء عبر تقنيات نمذجة معلومات البناء للتراث (HBIM) أو الذكاء الاصطناعي، في مجرد الأرشفة، يحول مدننا العريقة إلى جثث رقمية فائقة الدقة.
نحن بذلك نحتفظ بتفاصيل الجسد المادي بكل براعة، لكننا نسمح بتبخر الروح الاجتماعية التي كانت تسكنه.
التوثيق المتقن يجب أن يكون نقطة البداية، والتشخيص الأول لحالة المريض، وليس عملية تشريح أخيرة لجثة معمارية نكتب لها شهادة وفاة بأحدث التقنيات وأكثرها تطورا.
كيف يمكننا تحويل منزل تقليدي ضخم إلى مساحات عمل مشتركة للشباب (Co-working spaces)، أو حواضن للشركات الناشئة، أو حتى مساكن حديثة مريحة للعائلات الصغيرة، مع الحفاظ على التوزيع الهندسي العبقري الذي يحترم الخصوصية والمناخ؟جسر العبور.
كيف يتدخل الذكاء الاصطناعي لاعادة الروح؟إذا كان التوثيق الرقمي والأرشفة هما مجرد تشخيص لحالة مدننا التاريخية، فإن العلاج الحقيقي يكمن في ما يعرف باعادة الاستخدام التكيفي (Adaptive Reuse).
لكي نفلت من فخ المقابر الرقمية، يجب أن نحدث تحولا جذريا في نظرتنا إلى الذكاء الاصطناعي؛ فبدلا من استخدامه كآلة تصوير فائقة الدقة تلتقط صورة أخيرة للماضي قبل أن يندثر، يجب أن نستخدمه كمحرك محاكاة يرسم مسارات بقاء هذه المدن في المستقبل.
إن السبب الحقيقي الذي دفع السكان إلى هجر المدن القديمة، كغدامس وغيرها، لم يكن كراهية لتراثهم، بل كان بحثا مشروعا عن الحق في الحداثة.
المواطن اليوم يحتاج إلى تمديدات مياه نظيفة، وشبكات صرف صحي، وكهرباء، وإنترنت سريع، وتكييف يتناسب مع قسوة المناخ المتغير.
المشكلة المعمارية المعقدة تكمن في أن إدخال هذه المرافق الحديثة بعنف وبطرق تقليدية إلى النسيج الطيني الهش للمدن القديمة يعني تدميرها فيزيائيا.
هنا، وهنا تحديدا، يبرز الدور الحقيقي والمنقذ للذكاء الاصطناعي.
من خلال دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي مع نماذج معلومات البناء للتراث (HBIM)، ننتقل من مجرد رسم شكل المبنى إلى فهم سلوكه.
يمكن لهذه الأنظمة الذكية أن تجري ملايين المحاكيات الحاسوبية المعقدة في ثوان معدودة لاختبار أي تدخل معماري قبل مساس حجر واحد على أرض الواقع.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل الديناميكا الحرارية وحركة الهواء داخل الأزقة ليقترح لنا المسارات الأكثر أمانا لتمديد شبكات البنية التحتية الحديثة دون المساس بالهيكل الإنشائي للمبنى أو التسبب في تراكم الرطوبة التي تعد العدو الأول للعمارة الطينية.
أبعد من ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في إعادة تخيل الوظائف الفراغية.
كيف يمكننا تحويل منزل تقليدي ضخم إلى مساحات عمل مشتركة للشباب (Co-working spaces)، أو حواضن للشركات الناشئة، أو حتى مساكن حديثة مريحة للعائلات الصغيرة، مع الحفاظ على التوزيع الهندسي العبقري الذي يحترم الخصوصية والمناخ؟ الخوارزميات قادرة على اقتراح بدائل للمواد الحديثة بحيث تتفاعل بانسجام مع المواد التقليدية، متنبئة بكيفية تصرف هذا المزيج بعد عشرين أو خمسين عاما.
عندما نستخدم التكنولوجيا لحل هذه المعادلة الصعبة، معادلة الموازنة بين الحفاظ على الاصالة المعمارية وتوفير متطلبات الحياة المعاصرة، فإننا نفتح الباب أمام عودة السكان.
وبمجرد أن تفتح الابواب الخشبية القديمة وتضاء النوافذ ليلا، وبمجرد أن تعود شبكات المياه للتدفق في شرايين المدينة وتعود الاقدام لتطرق ازقتها، فإن الروح تعود تلقائيا.
الذكاء الاصطناعي لا يخلق الروح من العدم، ولكنه يهيئ الجسد المعماري ليكون صالحا لاستقبال الحياة البشرية من جديد، لتستأنف المدينة دورة حياتها ككائن حي يتنفس ويتطور، لا كقطعة اثرية تعرض في متحف افتراضي.
الذكاء الاصطناعي وتقنيات نمذجة معلومات البناء للتراث (HBIM) أدوات ثورية بلا شك، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في قدرتها على تجميد اللحظة الزمنية أو إنتاج صور تذكارية ثلاثية الابعاد لمدننا قبل أن تلفظ انفاسها الاخيرة.
في النهاية، يجب أن نتحلى بالشجاعة الكافية لندرك أن التراث المعماري ليس مجرد حجارة نقدسها، ولا جدرانا نخشى المساس بها فنتركها تنهار تحت وطأة الزمن، أو نهجرها لنبني نسخا افتراضية منها في عوالم رقمية باردة.
العمارة، في اصلها وجوهرها، كائن حي؛ تتنفس بوجود الانسان، وتستمد شرعيتها من قدرتها على احتضان الحياة وتلبية احتياجات ساكنيها المتجددة.
إن الذكاء الاصطناعي وتقنيات نمذجة معلومات البناء للتراث (HBIM) أدوات ثورية بلا شك، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في قدرتها على تجميد اللحظة الزمنية أو إنتاج صور تذكارية ثلاثية الابعاد لمدننا قبل أن تلفظ انفاسها الاخيرة.
بل تكمن في كونها بوصلة دقيقة ترشدنا إلى كيفية إجراء التدخل الجراحي الهندسي لإنقاذ هذا الجسد المادي دون تشويهه.
التكنولوجيا يجب أن تكون أداة للاستمرارية، لا أداة للرثاء.
وبالعودة إلى التساؤل الذي بدأنا به: هل يعيد الذكاء الاصطناعي الروح لمدننا القديمة؟الإجابة المباشرة هي: لا، الخوارزميات وحدها لا تنبض، والبيانات لا تبني مجتمعات.
الذكاء الاصطناعي لن يعيد الروح إذا استخدمناه فقط لالتقاط صورة تذكارية للمدينة قبل أن تموت.
ولكنه سيمنحنا، بلا شك، الخرائط والحلول الهندسية المعقدة التي تجعل هذه المدن القديمة صالحة للحياة المعاصرة.
وحين تنجح هذه التكنولوجيا في تمهيد الطريق لاعادة الانسان إلى تلك الازقة، وحين تضاء النوافذ من جديد وتعود العائلات لتسكن وتعمل وتتفاعل بين تلك الجدران الطينية المحدثة والمستدامة، حينها فقط، وبوقع خطوات هؤلاء العائدين، ستعود الروح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك