من شُرفة مسكنه في الطابق الرابع بمنطقة فيصل بمحافظة الجيزة، وقف الأربعيني محمد العلوي (اسم مستعار)، يتفحّص بعينيه الانتشار والتمدد الهائل للمقاهي بمختلف أرجاء منطقته، التي باتت تحتل الأرصفة وجنبات الطريق وأسفل الكباري على الطرق السريعة والبطيئة وفي الشوارع والحارات الداخلية.
لم يخف الأربعيني، الذي يعمل موظفاً بإحدى شركات الزيوت، ضيقه وشكواه من الضوضاء المستمرة، الصادرة منها منذ ساعات الصباح الباكر حتى المساء في أثناء فترات نومه وأسرته، بسبب التزاحم والتجمعات حولها، لا سيما في فترات المباريات المهمة، وأيضاً أوقات المواسم والأعياد، إضافة إلى تطاير الأدخنة التي أصبحت تحاصره من كل اتجاه، والأغاني الصاخبة التي تصدح في الأرجاء.
وقدّرت إحصاءات رسمية صادرة في 2018، أنه يوجد في مصر مليونا مقهى، تستحوذ العاصمة على 150 ألفاً منها، ويبلغ حجم إنفاق المترددين عليها 40 في المئة من راتبهم، فيما تبلغ الكلفة الاقتصادية التي ينفقها المصريون سنوياً على تدخين السجائر والشيشة 40 مليار جنيه.
ورصدت" اندبندنت عربية" خلال جولة ميدانية، أجرتها على بعض الشوارع والميادين في محيط محافظتي القاهرة والجيزة، تزاحماً في أعداد المقاهي وتلاصق بعضها بعضاً، واستحواذ أغلبها على مساحات كبيرة من الشوارع وجنبات الطرق وإشغال الأرصفة التي يعبر عليها المارة بوضع المقاعد.
فلماذا انتشر بيزنس المقاهي في مصر؟ وماذا يعني ذلك اجتماعياً واقتصادياً وكذلك عمرانياً وبيئاً؟عن البيزنس ذاته وكيف يدار وماذا يُدر، يقول محمد محمود (56 سنة)، صاحب مقهى بمنطقة ميت عقبة، " المقهى بيزنس مضمون الربح والمكسب.
أشارك بعض زملائي في إنشاء مقاهٍ أخرى في مناطق مختلفة".
موضحاً" المقهى لم يعد يرتاده أصحاب المعاشات فقط مثلما كان متعارفاً عليه، بل أصبح مكاناً لتجمّع الشباب من الذكور وأحياناً من الإناث بنسبة قليلة، وهناك زبائن أصبح وجهها مألوفاً وتحرص على الحضور يومياً".
وعلى رغم أن المقهى مشروع مضمون الربح، كما يقول محمود، فإنه يحتاج إلى كُلفة مالية ضخمة، ما بين رسوم إيجار وتراخيص ومرافق وتصاريح، بخلاف أسعار الخامات والإكراميات لمسؤولي الأحياء، ومن أجل الموافقة على إشغال الأرصفة، وأحياناً استغلال بعض المساحات الخضراء المواجهة للمقهى، علاوة على العمالة، ما يجعله دائماً أمام خيارين إما الاستمرار في مشروعه أو رفع أسعار المشروبات على الزبائن لتعويض تلك الكُلفة.
يقول صاحب المقهى.
وعلى أثر ذلك، لجأ محمود لإدخال بعض الأنشطة الترفيهية مثل" البلايستيشن"، وابتكار مشروبات جديدة ومميزة وتحسين جودة خدماتها، لإغراء الزبائن في ظل المنافسة الشرسة مع المقاهي الملاصقة له، وكذلك الكافيهات، التي تُغري الزبائن بجودة المشروبات والأطعمة، وأحياناً العروض الغنائية والموسيقية وخدمات الإنترنت.
ويشير صاحب المقهى إلى أنه يلجأ أحياناً لوضع المقاعد على الأرصفة من أجل استيعاب أعداد الزبائن، وأحياناً وضعها في الحدائق المواجهة للمقهى لزيادة الربح اليومي، وأحياناً تنشب مشادات مع المارة وسكان المنطقة بسبب الأصوات والأغاني التي تصدح منها أو من صيحات الزبائن أثناء التشجيع في المباريات المهمة.
ولم ينكر محمود أن تزايد أعداد اللاجئين الوافدين من بلدان مختلفة مثل السودانيين والسوريين شجّعه على زيادة الأسعار، لا سيما أن أغلبهم أصبح يداوم على الجلوس على المقهى رفقة أقرانه من نفس الجنسية، ما كان سبباً في رفع أسعار المشروبات.
" غالبية المقاهي والكافيات غير مرخصة، ولم تستوفِ اشتراطات الترخيص التي أقرّها القانون، وتعمل في الخفاء بشكل غير قانوني"، هكذا يُعقب وكيل الإدارة المحلية بمجلس النواب الدكتور محمد عطية الفيومي.
موضحاً" توجد اشتراطات ينبغي الالتزام بها وفقاً لما أقرّه قانون المحال العامة، في ما يتعلق بحجم المساحة والتهوية وتراخيص الشيشة وعزل الأماكن واشتراطات الحريق والبيئة، لكن لا يجري الالتزام بكل ذلك"، بحسب تعبيره.
وألقى الفيومي باللائمة على بعض مسؤولي الأحياء والجهات المشرفة عليها بسبب تقاضيها إكراميات لتقنين الإجراءات غير القانونية، واصفاً أنها" متقاعسة" عن أداء عملها وهناك شبهات فساد واضحة لإبقاء تلك الأمور على وضعها الراهن من أجل كسب مزيد من الأموال.
مطالباً بضرورة اتخاذ إجراءات رادعة في حال عدم التزام أصحاب المقاهي بالتراخيص، إما بإجبارهم على استيفاء الشروط أو غلقها نهائياً.
ويشير وكيل لجنة الإدارة المحلية بالبرلمان إلى أنه بذل مجهوداً كبيراً لمدة تزيد على 4 سنوات لإعداد قانون المحال العامة من أجل تحويل تلك الأنشطة غير الرسمية لتكون تحت عباءة الدولة بصورة رسمية وقانونية، لكن القانون للأسف تحول إلى أداة جباية، بحسب تعبيره، وأصبح كثير من أصحاب تلك المنشآت يعمل من دون ترخيص، مؤكداً أن كثيراً من أصحاب المقاهي" لا يستطيعون" استيفاء إجراءات الترخيص بسبب دفع أموال وإكراميات من دون وجه حق لبعض مسؤولي المحليات، بالتالي ليست لديهم المقدرة على سداد رسوم التراخيص طالما أنهم يعملون في الإطار غير الرسمي.
ينوه الفيومي، خلال حديثه إلى" اندبندنت عربية"، أن النشاط الرسمي قبل صدور القانون كانت نسبته 70 في المئة وغير المرخص 30 في المئة، ومع صدور قانون المحال العامة لتوفيق الأوضاع، أصبح ما يزيد على 90 في المئة غير مرخص، كاشفاً عن أنه سيطالب خلال فترات انعقاد اللجنة في الفترة المقبلة بوضع خطة عمل لحصر كل المقاهي والكافيهات المرخصة وغير المرخصة بمختلف محافظات الجمهورية، وقياس الأثر التشريعي لقانون المحال العامة وما حققه منذ إقراره.
يؤيد الطرح السابق أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية الدكتور حمدي عرفة، قائلاً إن نسبة كبيرة من المقاهي والكافيهات المنتشرة بمختلف محافظات الجمهورية لا تلتزم باشتراطات الترخيص المقررة طبقاً للقانون في ما يتعلق باحتلال الأرصفة وإشغال الطرق وخروج الكراسي عن المساحة المحددة، وتجاوز النسبة القانونية لتقديم الشيشة، التي تُقر بحد أقصى 33 في المئة من مساحة المحل، علاوة على عدم الالتزام باشتراطات البيئة والحماية المدنية والصحة المهنية.
ويشير خبير الإدارة المحلية، خلال حديثه إلى" اندبندنت عربية"، إلى أن تلك المقاهي تخضع لإشراف الإدارة المحلية في ما يتعلق بالإشغالات والتراخيص والغلق الإداري، ووزارة الداخلية في تنفيذ قرارات الغلق ومتابعة المخالفات، ووزارة الصحة في ما يتعلق بالاشتراطات الصحية، وجهاز شؤون البيئة في ما يتعلق بالانبعاثات والتلوث، لافتاً إلى أن الجهة المسؤولة عن تراخيص المقاهي هي المراكز التكنولوجية بالمحافظات والأحياء والمراكز والمدن التابعة للإدارة المحلية، وذلك من خلال اللجنة العليا لتراخيص المحال العامة المنشأة وفق القانون، وبالتنسيق مع جهات الحماية المدنية، والبيئة، والصحة، والأمن الصناعي.
ونوه عرفة إلى أن التمدد الكبير للمقاهي يتطلب رقابة حازمة وتفعيل صارم لقانون المحال العامة ولائحته التنفيذية، مشدداً على أن الالتزام بالقانون يحقق الانضباط، ويحافظ على راحة المواطنين، ويعظم موارد الدولة، بخاصة في ظل الفاقد المالي الكبير الناتج من عدم ترخيص بعض المقاهي أو مخالفتها للاشتراطات المنظمة.
وفي تقدير أستاذ علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية سوسن الفايد فإن التزاحم على تلك الأماكن على رغم كونها أصبحت نشاطاً مُربحاً لملاكها، إلا أنها تنطوي على عدة دلالات اجتماعية ونفسية مهمة، أبرزها أنها تشير إلى زيادة نسب ومعدلات البطالة وتضاؤل فرص الحصول على العمل، لا سيما أن غالب روادها حالياً من الفئات الشبابية، إضافة إلى وجود فراغ يعانيه كثير من الشباب ما يجعلهم يلجؤون إلى عمل صداقات على المقاهي في إطار اجتماعي لكسر حالة العزلة والوحدة، علاوة على الهروب من الواقع الاقتصادي وعدم الرغبة في الزواج وتكوين أسرة، بسبب الضوابط التي يُقرها قانون الأحوال الشخصية، التي جعلت كثيراً من الرجال يخشون الزواج خشية من التنكيل بهم في حال الرغبة في الانفصال.
ووفق إحصاء رسمي للجهاز المركزي للإحصاء (جهة حكومية) في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ارتفع معدل البطالة في مصر خلال الربع الثالث من العام الحالي ليسجل 6.
4 في المئة من إجمالي قوة العمل بزيادة 0.
3 في المئة عن الربع السابق.
وفي رأي الفايد، فإن كافة الشواهد تشير إلى أن الشكل والمفهوم التقليدي المتعارف عليه للمقاهي تغير نسبياً من مكان إلى تجمع أصحاب المعاشات بعد الخروج على سن التقاعد لمركز لتجمعات شبابية، إذ يرتادها أعداد كبيرة من الشباب يومياً.
جانب آخر من القضية تسلط الضوء عليه، أستاذة العمارة والتصميم العمراني بجامعة القاهرة الدكتورة سهير زكي حواس، موضحة أن التمدد الهائل في أعداد المقاهي والكافيهات المنتشرة على جنبات الطرق وأسفل الكباري وفي الشوارع والميادين العامة يحدث من دون تخصيص أماكن وساحات انتظار للمترددين عليها وتأمين وسائل العبور الآمن للمشاة، إضافة إلى غياب الناحية الجمالية في تصميمها.
وتضيف أستاذة التصميم العمراني، خلال حديثها إلى" اندبندنت عربية"، أن إنشاء تلك المقاهي في ظل وجود اختلاط وتزاحم بين عبور المشاة والسيارات يشير إلى وجود مبالغة في الاستفادة من الفراغ العام، مؤكدة أنها" ليست ضد التوسّع في تلك الأنشطة، لكن يجب توفير سُبل الراحة للمترددين عليها بشكل لا يخلق حالة من الفوضى والزحام وتشويه المشهد البصري في الفراغ العام".
وتشير حواس، إلى أن التزاحم على المقاهي والكافيهات أمر يعطى دلالة واضحة على التوسع الكبير في هذا البيزنس وحجم الإنفاق عليه، وكذلك الوقت الضائع الذي يُهدره المترددون عليه، وقد يمتد أحياناً لـ24 ساعة، مقارنة بقضاء وقت في أماكن الوظيفة والعمل والإنتاج مقارنة بالدخول لقراءة كتب في مكتبة عامة على سبيل المثال، وهي مؤشرات" غير صحية" ينبغي الانتباه إليها.
ولعل المؤشرات غير الصحية تلك تجلت في حديث الثلاثيني محمد الوكيل، من رواد المقاهي، الذي أكد أن المقهى أصبحت متنفساً لديه من أجل لقاء زملائه، قائلا: " المقهى أصبح مأوى لي وزملائي لمقاومة أعباء الحياة، نجتمع يومياً بشكل معتاد لتدخين الشيشة (النرجيلة) ومشاهدة المباريات المهمة ولعب الطاولة والبلايستيشن والمشروبات وتناول وجبات الطعام سوياً".
ويضيف الوكيل، الحاصل على مؤهل خدمة اجتماعية، " لست متزوجاً، ولم أحصل على فرصة عمل دائمة، باستثناء وظائف مؤقتة بأجر يومي تأتى أحياناً ومرات عديدة لا أحصل عليها، لذلك أجد متعتي الحقيقية في الجلوس على المقاهي، التي أعتبرها أشبه ببيتي الثاني، لتضييع الوقت والهروب من الوحدة وضغوط المنزل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك