في مشهد أثار دهشة المتابعين، لا لجمالية كروية بل لغرابة سلوك نفسي، تحولت مباراة أولمبيك آسفي واتحاد العاصمة الجزائري إلى مرآة كاشفة لواقع سياسي مأزوم، فلقطة تبادل الشعارات بين عميدي الفريقين تخطت حدود البروتوكول الرياضي المعتاد، لتغدو لحظة تعرية حقيقية لمقدار الرعب الذي بات يسكن رياضيي الجارة الشرقية من كل ما يحمل رمزية المملكة المغربية.
لم يستطع عميد اتحاد العاصمة إخفاء ارتباكه وهو يتسلم شعار القرش المسفيوي المزين بالعلم المغربي، فتلك الالتفاتات المريبة ومحاولته السريعة لإخفاء الشعار خلف ظهره وكأنما يمسك بـجرم مشهود، ما هي إلا انعكاس صارخ لبيئة ترهيب خلقها نظام عسكري جعل من العلم المغربي فوبيا تلاحق اللاعبين الجزائريين حتى في الملاعب، أكثر من كونها تعبيرا عن موقف شخصي للاعب.
هذا المشهد المضحك المبكي صار العالم أجمع يشاهده اليوم، ليكتشف كيف تدار دولة بعقلية الوسواس القهري تجاه جار لم يزدد إلا رفعة.
ولا يمكن فصل هذه الحادثة عن سياقها العام، إذ تمثل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الارتباك الكروي الجزائري، فالعالم لم ينسَ بعد قضية الأقمصة لنهضة بركان، وكيف جُندت أجهزة الدولة لمنع قميص يحمل خريطة المغرب.
في السياق ذاته، لا يمكن القفز على الواقعة المخزية في مباراة شبيبة القبائل والوداد الرياضي، التي شكلت فصلا آخر من فصول هذه الهستيريا، حين أقدمت السلطات الجزائرية حينها على منع رفع العلم المغربي في الملعب، في خرق سافر ومستفز لكل القوانين والأعراف التي يفرضها الاتحادان الإفريقي والدولي، حيث تعدى الأمر مجرد منع لقطعة قماش، ليرتقي إلى محاولة يائسة لطمس هوية المنافس، وكأن وجود العلم المغربي خفاقا يشكل تهديدا وجوديا للأمن القومي، بعيدا عن كونه بروتوكولا رياضيا ملزما.
لقد تمادى هذا العبث حد تنظيم مباريات سريالية ضد اتحادات كروية وهمية، في محاولة يائسة لصناعة شرعية رياضية لمولود غير شرعي، وهي سلوكيات لا تثير سوى السخرية في الأوساط الدولية، وتؤكد أن العقيدة الصدامية في الجزائر فقدت بوصلة العقل.
وسط هذا المناخ المشحون، يقدم المغرب دروسا في الرزانة والترفع، فالمملكة تعامل الجميع بمبادئها لا بردود أفعالهم، ولا أدل على ذلك مما شهده العالم في الكان الأخير، حيث رفرف العلم الجزائري في جميع مدن وأحياء المملكة، ولم يتعرض له أحد بسوء، ولم يرتعد منه مسؤول، بل عومل كرمز لبلد جار وشعب شقيق، بعيدا عن صراعات السياسة الضيقة، ليثبت المغاربة أنهم كبار بأخلاقهم، وأن « الدار الكبيرة » تسع الجميع، في وقت يضيق فيه أفق الآخرين.
وبينما ينشغل الطرف الآخر بمطاردة الخرائط والأعلام، يسير المغرب بكل ثقة في مسار الريادة الرياضية العالمية، ففي لقطة العميد سفيان المودن وهو يتسلم الشعار من عميد اتحاد العاصمة، تتجلى حقيقة واضحة، وهي أننا لا نخشى الرموز لأننا واثقون من هويتنا، ونكرم الضيف لأن ذلك شيمنا.
ختاما، إن العالم الذي يراقب اليوم كيف يرتعد لاعب كرة قدم من رؤية علم أحمر تتوسطه نجمة خضراء، وكيف تستنفر السلطات لعدم رفع علم وطني، يدرك تماما من هو الطرف القوي الواثق بمرجعيته الأخلاقية والتاريخية، ومن هو الطرف الذي يعيش رعب الهزيمة النفسية أمام عقدة اسمها المغرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك