في كتاب بعنوان" بيرّون، ولادة الشك" (منشورات" سيرف"، 2026) يجيب الأكاديمي والباحث في جامعة بوردو، إنزو غودينو عن هذين السؤالين من خلال تقديم قراءة جديدة في شخصية –وفكر- بيرون الإيليسي (270-360 ق م)، مؤسس مذهب الشكية أو الريبية القديمة.
يحاول الباحث الفرنسي إنزو غودينو إعادة بناء ملامح هذا الفيلسوف الذي لم يترك أثراً مكتوباً، عارضاً محطات حياته وجذور مذهبه وتعاليمه.
غرضه تحرير هذه الفلسفة من الصور النمطية التي حصرتها طويلاً في إطار إبيستمولوجي ضيق أكد استحالة المعرفة، مبرزاً إياها كمشروع أخلاقي ومعرفي متكامل يتعلق بأسلوب العيش وبإمكان وصول الإنسان إلى المعرفة والحقيقة.
يعترف غودينو أن لغياب النصوص البيرونية دلالة فلسفية عميقة، فإذا كان بيرون لم يكتب شيئاً، لربما علينا بحسبه أن نقرأ هذا الامتناع عن الكتابة، كتجلٍّ أول لفكر فلسفي متماسك ومنسجم مع جوهر الشكية نفسها التي تعلن عدم استقرار أي شيء وترفض الصيغ الدوغمائية الجامدة.
يواجه كتاب غودينو إذاً تحدي الإمساك بفكر يرفض أن يتحدد، محذراً إيانا مما يسميه" الفانتسمالوغيا" أي إغراء الوقوع في التخيلات والإسقاطات الحديثة التي تملأ فراغ غياب النصوص والوثائق بتصورات معاصرة، لذا نراه يعتمد على تحليل دقيق للأقوال والشذرات والشهادات القديمة التي نقلها تلامذة بيرون أو خصومه، فضلاً عما دونه ديوجينس اللائرسي في مصنفه الشهير" سير مشاهير الفلاسفة ومذاهبهم وأقوالهم"، فمن خلال شرح وتأويل هذه الأقوال والشهادات العائدة إلى البيرونيين الأوائل، يسعى غودينو إلى أكثر فهم ممكن لفكر بيرون التاريخي، ضمن أفقه الثقافي والفلسفي الهلنستي.
أولاً، يبرز غودينو انتماء بيرون إلى تقليد فلسفي سابق هو التقليد الأبديري (نسبة إلى مدينة أبديرا جنوب غربي تراقية)، الذي استهل بالسفسطائية والذرية الديمقريطيسية، وتطور على نحو موازٍ تماماً للتقليد السقراطي–الأفلاطوني، مشكلاً أساس المادية الأبيقورية والفلسفة الريبية البيرونية، حيث الشك في القدرة الإنسانية على بلوغ الحقيقة والإقرار بأن الواقع في عمقه بعيد المنال.
لكن تبلور فرادة مذهب الشكية والتحول الحاسم في مسار بيرون بدأ بحسبه إبان الحملة الآسيوية للإسكندر الكبير سنة 334 ق م، فقد أسهمت هذه الحملة في إتاحة الفرصة لبيرون الذي شارك فيها، للاحتكاك بالنساك الجينيين والشيفيين العراة، أي أولئك الزهاد المنتمين إلى الرهبانيات الدينية الهندوسية المنقطعة عن العالم، واللامبالين باللذة والألم.
وقد شكل هذا اللقاء بالنسبة إليه صدمة فكرية وأخلاقية عميقة، حملته على نقل الشك من كونه موقفاً معرفياً سلبياً إلى نمط عيش وممارسة زهدية.
يستكشف غودينو، بقدر كبير من الدقة، هذا الأثر الهندي في فكر الفيلسوف، مع الحفاظ على الحذر اللازم إزاء روايات وأساطير متأخرة، مقترحاً أن هذا اللقاء أدى دور المحفز، إذ أتاح لبيرون أن ينجز انتقالاً حاسماً، بحيث أصبح التشاؤم المعرفي أساس زهد أخلاقي.
ويبدو أن بيرون استخلص من المثال الهندي درس انفصال مطلق، حول به نظرية في المعرفة إلى درع ضد اضطرابات الوجود.
في هذا السياق، يتوقف الكتاب مطولاً أمام مفهوم" اللامبالاة" (adiaphoria) بوصفه حجر الزاوية في الشكية البيرونية، فالأشياء، في نظر بيرون، ليست خيرة ولا شريرة في ذاتها، ولا جميلة ولا قبيحة بطبيعتها، بل هي" غير متمايزة ومحددة المعالم" و" غير قابلة للحسم"، مما يعكس حدود علاقتنا المعرفية بطبيعة الواقع.
وبما أن الإنسان في رأيه عاجز عن إدراك حقيقة الأشياء، فما عليه إلا أن يمتنع عن إصدار الأحكام القطعية في شأنها، لكن الامتناع المعرفي لا يقود بالضرورة، كما ادعى خصوم الشكية، إلى العجز عن الفعل، لعله، على العكس من ذلك، يفتح أفقاً جديداً للحياة، ذلك أن" تعليق الحكم" يفضي إلى" الأفازيا"، أي انقطاع الخطاب الدوغمائي الذي يدعي امتلاك الحقيقة والذي يشدد غودينو على دقته، فالأمر لا يتعلق بصمت إرادي، ولا بقرار رهباني بالكف عن الكلام، بل بحالة تقطع فيها الكلمة الدوغمائية وتعلق، لغياب أي إمساك بالواقع، ومن هذه" الأفازيا" تنبثق" الأتاراكسيا"، حال اللاهوى أو سكينة النفس وطمأنينتها.
يصر غودينو على أن الشكية البيرونية ليست فلسفة يأس أو تشاؤم سلبي، بل استراتيجية تحرر وعلاج ضد الشقاء.
بنظر بيرون أن المعاناة الإنسانية تنبع من التعلق بالمعتقدات والأحكام القيمية المطلقة وبالأوهام التي تعد باليقين والمعنى النهائي للأشياء، لذا يجب اقتلاع كل ما يجذر الإنسان، سواء تعلق الأمر بآراء زائفة، أو بأهواء أو غرائز، أو ردود فعل دفاعية لا لزوم لها، ولعل الإنسان عندما يتخلى عن هذه الأوهام ويتصالح مع هشاشة معرفته، يصبح أكثر قدرة على العيش في سلام في هذا العالم مع نفسه ومع الآخرين.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
في هذا السياق، يناقش الكتاب تهمة" اللاعملية" (apraxia) التي وجهت إلى الشكيين، بوصفهم عاجزين عن اتخاذ أي قرار أو القيام بأي فعل لغياب المعايير المعرفية اليقينية، مبيناً أن هذه التهمة مبنية على سوء فهم عميق للشكية البيرونية، فبيرون لا يدعو إلى الامتناع عن الفعل، بل إلى الفعل من دون ادعاء امتلاك المعرفة اليقينية، أي أن الإنسان يمكنه أن يعيش وفق العادات والتقاليد والقوانين والحاجات الجسدية، من دون أن يضفي عليها قيمة جوهرية أو حقيقة مطلقة، بعبارة أخرى يؤكد غودينو أن الشكي يعيش على مستوى عالم الظاهر (الفاينومينون) بيسر مدهش، وبما أنه ليس ثمة حقيقة مطلقة تملي عليه سلوكه، فإنه يتبع الظواهر ويطيع القوانين ويمتثل للعادات المجتمعية المتبعة، من دون أن يكون أسيراً لها.
وليس هذا الامتثال لأن هذه الأفعال صحيحة بحد ذاتها، بل لأنها جزء من النظام الظاهري للحياة اليومية، مبيناً أن القوانين والعادات والحاجات الجسدية تعمل كمحددات للفعل، فهي تمنح الاتجاه والبوصلة، وتعفي الإنسان الحكيم من قلق الاختيار المطلق، هذا ما يطلق عليه غودينو صفة" الامتثال المستنير"، الذي يخلو من التعصب والقلق الوجودي، مشدداً على أن العمل" من دون رأي أو معتقد قطعي أو معرفة مطلقة" (أدوكساستوس)، يحافظ على داخلية الإنسان الشكاك من الاضطرابات التي تحدثها العقيدة المتعصبة.
وبغية إدراك النبرة الخاصة للخطاب الشكي يولي الكتاب كذلك أهمية لكتابات تلميذ بيرون، تيمون الفليونتي، وعلى رأسها" التهكمات"، مؤكداً أن الخطاب الشكي خطاب ساخر، يستخدم المفارقة والتلميحات الذكية لقول الظاهر من دون أن يجمده في كينونة.
إنه خطاب يتجنب الادعاء، ويكتفي، كما فن الإيماء، بالإشارة إلى الظواهر، وهذا ما تدل عليه قصة الخنزير الذي يأكل بهدوء أثناء العاصفة، التي لا تهدف إلى تقديم نموذج أخلاقي صارم، بقدر ما تتطلع إلى إظهار موقف وجودي: العيش في الحاضر، من دون خوف من الأحداث الخارجية.
يدعو كتاب إنزو غودينو أيضاً إلى التفكير النقدي في الحدود الملازمة لمعرفتنا بالبيرونية القديمة، عارضاً بأمانة النقاشات التي تقسم الباحثين، لا سيما في تفسير الصفات المنسوبة إلى الأشياء (غير متمايزة ومستقرة ومحددة)، فهل ينبغي قراءتها بوصفها وصفاً ميتافيزيقياً للأشياء في ذاتها، أم تشخيصاً إبيستمولوجياً بسبب من افتقارنا إلى وسائل معرفتها؟ يميل المؤلف، بحجج متينة، إلى قراءة ميتافيزيقية، مع اعترافه بالمأزق المنطقي الذي قد تفضي إليه هذه الوضعية: كيف نؤكد أن لا شيء قابل للتأكيد؟ إن هذا التوتر، من دون أن يضعف الطرح، يظهر عمق المشروع الشكي وصرامة فكره الذي يرفض" تنعيم نتوءات مصادره" ليقدم صورة متماسكة زائفة، إذ إن الشكية نفسها تظل في حال اختبار دائم لحدودها.
في الختام، يقدم كتاب إنزو غودينو" بيرون، ولادة الشك" عملاً مرجعياً يجمع بين أرفع درجات الإحاطة العلمية بهذا المذهب الفلسفي، إنه قراءة غنية ومتعددة الأبعاد لفلسفة الشك القديمة، بوصفها فلسفة للحياة قبل أن تكون نظرية في المعرفة، فبيرون، كما يصوره غودينو، ليس داعية للانسحاب من الحياة أو إلى اللامبالاة السلبية، بقدر ما هو مفكر يسعى إلى تحرير الإنسان من العنف الكامن في اليقينيات المغلقة.
في زمن تتكاثر فيه الخطابات المطلقة وتتصادم اليقينيات القاتلة باسم الحقيقة، تبدو الشكية البيرونية دعوة راهنة إلى التواضع الفكري وضبط الانفعال والقبول بعدم الإمساك بالعالم، والتعلم على سكنه بسكينة لا تقوم على الإيمان بامتلاك الحقيقة، بل على القبول بعدم امتلاكها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك