في زمن أصبحت فيه المشاهد الإخبارية جزءاً من روتيننا اليومي، يأتي مسلسل «صحاب الأرض» ليقتحم السباق الرمضانى لعام 2026، ليس كعمل درامى آخر، بل كصرخة فنية تحاول «أنسنة» الأرقام والإحصائيات، وتقديم وجهة نظر تركز على الإنسان في قلب واحد من أقسى الصراعات المعاصرة.
المسلسل، الذي أخرجه بيتر ميمى، وكتبه عمار صبري ومحمد هشام عبية، يضع القضية الفلسطينية تحت ميكروسكوب الدراما، مستلهماً أحداثه من الحرب على غزة التى اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023.
تدور أحداث المسلسل حول رحلة الطبيبة المصرية «سلمى شوقى» (منة شلبى)، التى تصل إلى قطاع غزة ضمن قافلة إغاثة طبية.
هناك، تتقاطع أقدارها مع «ناصر» (إياد نصار)، وهو فلسطيني يسعى لإنقاذ ابن شقيقه من تحت أنقاض منزلهم الذي دمره القصف.
من هذا اللقاء، الذي ولد في قلب الدمار، تتشكل علاقة إنسانية عميقة، تصبح هي الخيط الذي يربط حكايات متعددة عن الصمود، الفقد، والحب المستحيل في زمن الحرب.
لا يكتفي العمل بهذا الخط الرئيسى، بل يتوسع ليقدم بانوراما للحياة اليومية تحت الحصار.
نرى شخصيات مثل «كرمة» (تارا عبود)، التى تجد نفسها مسئولة عن شقيقاتها بعد أن فرقتها الحرب عن والدها «ناصر».
يعكس المسلسل تفاصيل دقيقة عن كل الأزمات التى يعيشها المواطن الفلسطيني في قطاع غزة المحتل، وهي تفاصيل صغيرة لكنها ترسم بصدق صورة المعاناة اليومية.
يقدم كل من منة شلبى وإياد نصار أداءً استثنائياً، حيث ينجحان في تجسيد الصراع الداخلى لشخصياتهم.
هي تنقل ببراعة تحولات الطبيبة التى تتحول من شخصية المنقذ إلى شاهد على مأساة تفوق قدرتها على الاستيعاب.
وظهر ذلك بوضوح في مشهد ما قبل ختام الحلقة الأولى، أما إياد نصار، فيمثل الفلسطيني الذي يتمسك بالأرض والحياة، ممزقاً بين غريزة البقاء والتمسك بالوطن.
يساندهما طاقم عمل متميز يضم ممثلين فلسطينيين وعرباً، مثل كامل الباشا، آدم بكرى، وتارا عبود، ما يضفي على العمل مصداقية وعمقاً إضافياً.
يتبنى المخرج بيتر ميمى أسلوباً لم يستخدمه من قبل في أى عمل من أعماله، فحركة الكاميرا تقدم مزيجاً بين الواقعية والشاعرية.
فهو لا يقدم مشاهد دموية مباشرة بقدر ما يركز على أثرها النفسى على الشخصيات.
اللقطات الطويلة، والصمت المعبر، والتركيز على تعابير الوجوه، وأفضلها كان مشهد الطبيبة المصرية خلف زجاج السيارة التى تقلها لداخل غزة.
كلها أدوات يستخدمها «ميمى» ليبنى حالة من التوتر والتعاطف، مبتعداً عن الخطابية المباشرة.
حتى أغنية التتر «يمة مويل الهوا»، بصوت أمير عيد وناى برغوثى، جاءت كقصيدة موجزة تلخص روح العمل، ورغم الخطأ غير المقصود الذي وقع في نسب كلماتها وتم الاعتذار عنه، فإنها بقيت جزءاً مؤثراً من هوية المسلسل.
قبل حتى أن يبدأ عرضه، أثار «صحاب الأرض» جدلاً واسعاً واهتماماً من وسائل الإعلام الإسرائيلية التى انتقدت العمل واعتبرته يقدم «سردية أحادية الجانب».
هذا الهجوم المبكر هو دليل على قوة تأثير المسلسل وقدرته على إيصال رسالة تزعج الطرف الآخر.
المسلسل لا يسعى فقط لتوثيق المعاناة، بل يهدف أيضاً إلى إبراز الدور المصرى في دعم القضية الفلسطينية وإفشال مخططات التهجير، وهي رسالة سياسية واضحة تتبناها الدراما.
«صحاب الأرض» ليس مجرد مسلسل للمشاهدة العابرة، بل هو عمل فنى يسعى ليكون وثيقة إنسانية ودرامية لأحد أصعب الفصول في التاريخ الفلسطيني الحديث.
بنجاحه في الموازنة بين القصة الإنسانية المؤثرة والرسالة السياسية الواضحة، وبفضل أداء ممثليه ورؤيته الإخراجية الواعية، يثبت المسلسل أن الفن قادر على أن يكون صوت من لا صوت له، وأن الدراما يمكنها أن تروى الحقيقة بطريقة قد تكون أحياناً أبلغ من أى تقرير إخبارى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك