مع تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الرئيس الانتقالي في سوريا أحمد الشرع “يقوم بعمل رائع”، واصفا إياه بـ”الرجل الحازم”، كشفت وكالة الأنباء الأمريكية “أسوشيتد برس” أن البيت الأبيض أبلغ الكونغرس عزمه المضي قدما في التخطيط لإعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق، الأمر الذي لاقى ترحيبا بين الأوساط السورية باعتبار أن الإجراء من أهم التطمينات المتعلقة بمستقبل البلاد، وأن سوريا باتت داخل المعادلة الدولية، واقتصادها يتجه نحو الاندماج بالاقتصاد العالمي، وهو اعتراف عملي بوجود سلطة مركزية قابلة للتعامل والتفاهم، ويؤكد أن بنية الدولة باتت أكثر استقرارا وقدرة على الشراكة الأمنية والسياسية.
وخلال مؤتمر صحافي له، السبت، وردا على سؤال حول آلية ضمان إدارته للسلام في سوريا ولانخراطه الشخصي كما أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو في ميونيخ بعد لقاء مشترك جمعه مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بحضور قائد “قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد” مظلوم عبدي، قال ترامب إن “الرئيس السوري الذي عينته في الأساس يقوم بعمل رائع، وهو رجل حازم وليس ملاكا، والملاك لا يستطيع فعل ذلك، لكن سوريا تتقارب بشكل جيد للغاية”، مؤكدا أن الشرع “هو حتى الآن جيد جدا للأكراد”.
قال ترامب إن “الرئيس السوري يقوم بعمل رائع، وهو رجل حازم وليس ملاكا، والملاك لا يستطيع فعل ذلك، لكن سوريا تتقارب بشكل جيد للغاية”.
وفي اليوم ذاته كشفت وكالة “أسوشيتد برس” أن إدارة ترامب أبلغت الكونغرس عزمها المضي قدما في التخطيط لإعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق بعد إغلاق استمر لنحو 14 عاما.
وجاء في إخطار وجهته الإدارة إلى لجان في الكونغرس في العاشر من شباط/فبراير الجاري أن الخارجية الأمريكية تعتزم “تنفيذ نهج تدريجي لاستئناف محتمل لعمليات السفارة في سوريا”، على أن تبدأ العملية خلال 15 يوما، دون تحديد جدول زمني لاستكمالها أو لموعد عودة الموظفين الأمريكيين إلى دمشق بشكل دائم.
وتدرس الإدارة الأمريكية خيار إعادة فتح السفارة منذ وقت قصير بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024.
وفي أيار/مايو الماضي رفع المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك، بحضور وزير الخارجية الشيباني، علم بلاده في المنزل الذي يشغله عادة السفير الأمريكي المعين في دمشق، وكان آخرهم روبرت فورد، رغم أن السفارة الموجودة في مكان قريب في ساحة الروضة لم يتم إعادة فتحها حتى اليوم.
وبحسب معلومات خاصة حصلت عليها “القدس العربي”، فإن المتعاقدين السوريين سواء من الموظفين المدنيين داخل السفارة أو من الحراسة الخاصة بها ما زالوا على رأس عملهم، ويقدر عددهم بالعشرات، وهم يتقاضون رواتبهم دون أي انقطاع.
وحتى من غادر منهم سوريا التزمت الخارجية الأمريكية بإيصال رواتبهم لهم لثلاث سنوات، ومنهم من بات يقيم حاليا مع عائلته في الولايات المتحدة.
وقالت المصادر إنه باستثناء رفع العلم في منزل السفير الأمريكي في حي الروضة الراقي في دمشق، فإن الأبنية التي تمتلكها السفارة في المنطقة لم تشهد أي نشاط، وخصوصا مبنى السفارة إلى جانب المدرسة الأمريكية القريبة في منطقة الجاحظ.
كما لم يتم تبليغ أي من العاملين بما تنوي القيام به الخارجية، لكنها توقعت أن يأخذ افتتاح السفارة بعضا من الوقت لأن المبنى يحتاج إلى إعادة تأهيل.
وذكرت المصادر أن الإدارة السورية الجديدة وجهاز الأمن العام يحرصان على تأمين الحماية اللازمة لأبنية السفارة الأمريكية دون أي مضايقة للمتعاقدين السوريين.
ولاقى خبر إعادة افتتاح السفارة الأمريكية بدمشق صدى إيجابيا بين أوساط السوريين على مختلف مستوياتهم، وخصوصا منهم حملة الجنسية الأمريكية.
واعتبر رجل الأعمال المقيم في الولايات المتحدة بشار نوري أن الخطوة ستترك أثرا نفسيا كبيرا على السوق السورية من الناحية الاقتصادية، وهي من أهم المؤشرات السياسية لرجال الأعمال بأن البلاد تتجه نحو الاستقرار والتنمية الاقتصادية.
لاقى خبر إعادة افتتاح السفارة الأمريكية بدمشق صدى إيجابيا بين أوساط السوريين على مختلف مستوياتهم، وخصوصا منهم حملة الجنسية الأمريكية.
وقال في تصريح خاص لـ”القدس العربي”: “إعادة افتتاح السفارة في دمشق ومن ضمنها الملحقية الاقتصادية والتجارية التابعة لها، ستؤمن المعلومات الضرورية للشركات الأمريكية بطريقة سهلة المنال ومن جهات ذات موثوقية عالية”.
وبين نوري أن الاستثمارات الحقيقية تحتاج إلى المعلومة الاقتصادية الصحيحة، وأن الشركات الأمريكية لا تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي لتحصيل المعلومات التي تريدها، وإنما على السفارات الأمريكية.
وأوضح أن من بين المعلومات التي قد تقدمها الملحقية التجارية ما تحتاجه السوق السورية من استثمارات، والمشاريع التي يمكن أن ينشط فيها الأمريكيون، ومن بينهم طبعا رجال الأعمال السوريون من حملة الجنسية الأمريكية.
كما يمكن لهذه الملحقية ترتيب وتنظيم لقاءات بين رجال الأعمال الأمريكيين والمسؤولين السوريين بما يخدم تطوير العلاقات الثنائية، لتكون السفارة بذلك القناة الصحيحة للمستثمر الأمريكي.
وأكد نوري أن إعادة افتتاح السفارة الأمريكية رسالة تؤكد أن سوريا باتت داخل المعادلة الدولية وأن اقتصادها يتجه نحو الاندماج بالاقتصاد العالمي بعد عقود من الحصار والعزل، كما أنها تقدم الراحة النفسية للمستثمرين والتجار تجاه تخفيض المخاطر على رؤوس أموالهم التي تتجه نحو سوريا، مع تأمين حماية أفضل للمستثمرين، وهذه ستكون قاطرة لتشجيع تدفق الاستثمارات باتجاه سوريا ليس فقط من الولايات المتحدة وإنما من كل المنظومة الغربية ومعظم الدول العربية وخصوصا الخليجية منها.
وشدد نوري على أن نتائج إعادة افتتاح السفارة الأمريكية ستكون إيجابية بالتأكيد، وبما يساعد الحكومة السورية على تسريع عملية الإصلاح التي بدأتها، أو إعادة النظر ببعض القرارات التي صدرت خلال السنة الأخيرة عبر الاستفادة من الخبرات والنصائح الأمريكية لإعادة ترتيب البيت الداخلي وفتح الباب أمام مشاركة جميع مكونات الشعب السوري، وبما يتناسب مع الانخراط في السياسة الدولية لإعادة بناء “سوريا العظمى”، وتعزيز الشفافية على مختلف المستويات الحكومية لجذب رؤوس الأموال التي لن تصل إن لم تشعر بالراحة وأنها على اطلاع بشفافية عالية لما يجري داخل البلاد.
وذكر نوري أن السفارة ستكون قناة موثوقة ومرجعية هامة لدى الحكومة السورية للحصول على معلومات دقيقة تجاه الشركات الأمريكية التي تنوي القدوم إلى البلاد، سواء كانت شركات رائدة أم شركات وهمية.
ورحب بقدوم بعض الاستثمارات العربية، والخليجية منها تحديدا، مؤكدا أن وصول الاستثمارات الأمريكية سيختلف بشكل كلي، فهذه لا تعني فقط تدفق الأموال، وإنما يتعدى الأمر إلى نقل التكنولوجيا مع العمق الاقتصادي الضخم.
وقال: “نحن حملة الجنسية الأمريكية نتمنى إعادة فتح السفارة بشكل سريع لنتمكن من الاطلاع على الاقتصاد السوري من خلال قنوات صادقة وموثوقة وبما يساعدنا للعودة سريعا لإعادة إعمار دولتنا”.
وبين نوري أن من بين أهم التعديلات والإصلاحات المطلوبة حاليا من الحكومة هو تثبيت آليات العدالة والتحكيم الاقتصادي السريع، وأن يتم حل أي إشكالية بين الحكومة ورجال الأعمال والمستثمرين عبر القضاء، وإعاقة هذا المسار ستضر كثيرا بتدفق الاستثمارات الخارجية.
وإن كانت هناك عمليات محاسبة تجري حاليا مع بعض رجال الأعمال فإن هذا أمر مطلوب لاستعادة جانب من الأموال المسروقة إلى خزينة الدولة، لكن هذه العمليات يجب أن تتم من خلال القضاء العادل، وهذه قضية يجب إعادة النظر فيها، بما فيها منع سفر بعض رجال الأعمال.
نقاشات تدور حاليا بين رجال أعمال أمريكيين وأطباء سوريين، إما لتطوير بعض المشافي السورية أو لفتح مستشفيات أمريكية تخصصية في سوريا بمستويات رفيعة.
وكشف نوري أنه بحسب اطلاعاته فإن نقاشات تدور حاليا بين رجال أعمال أمريكيين وأطباء سوريين، إما لتطوير بعض المشافي السورية أو لفتح مستشفيات أمريكية تخصصية في سوريا بمستويات رفيعة، موضحا أن إعادة افتتاح السفارة تعني إعادة افتتاح المدرسة الأمريكية التابعة لها، وحتى يمكن تطوير الأمر إلى مستوى افتتاح جامعة أمريكية أو فروع لكليات أمريكية تخصصية.
بدوره اعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشارقة والمختص بالنظم السياسية خلال المراحل الانتقالية من جامعة شيكاغو وائل مرزا أن خطوة استئناف العمل الدبلوماسي الأمريكي في دمشق تدل على انتقال نوعي في المقاربة الأمريكية لسوريا من سياسة العزل والعقوبات إلى سياسة الانخراط المشروط، فالسفارة ليست مجرد تمثيل دبلوماسي، وإنما هي أيضا أداة إدارة مباشرة للعلاقة مع الدولة السورية الجديدة، بما يعني اعترافا عمليا بوجود سلطة مركزية قابلة للتعامل والتفاهم.
وقال في تصريح لـ”القدس العربي”: “السفارة ستعمل كبنية تحتية للعلاقة الاقتصادية، بينما يظل الاستثمار الفعلي مرتبطا بمسار أوسع من تخفيف القيود والعقوبات وتثبيت البيئة التعاقدية والأمنية”.
وأكد مرزا أن توقيت الخطوة بعد مرحلة تثبيت السيطرة الداخلية للدولة واحتواء الملف الكردي يعكس قناعة أمريكية بأن بنية الدولة السورية باتت أكثر استقرارا وقدرة على الشراكة الأمنية والسياسية.
معتبرا أنه داخليا في واشنطن يبدو أن هذا التوجه تقوده دوائر في الإدارة الحالية تدفع نحو إعادة إدماج سوريا تدريجيا في النظام الإقليمي، بدعم شخصيات نافذة في فريق السياسة الخارجية ترى أن الانخراط المنضبط أكثر جدوى من الاستمرار في العزل.
ورأى مرزا، العائد من تهجير قسري استمر 40 سنة من الولايات المتحدة إلى دمشق، أن إعادة الحضور الدبلوماسي الأمريكي تشكل إشارة خفض للمخاطر السياسية المرتبطة بالاستثمار في سوريا، لأنها تعني وجود قناة رسمية للتواصل والحماية القنصلية وإدارة النزاعات، وهو شرط أساسي لأي استثمار دولي كبير.
وفي قطاع الطاقة تحديدا تحمل الخطوة دلالة مضاعفة، لأن الشركات النفطية لا تتحرك عادة دون غطاء سياسي وأمني واضح من دولها، وبالتالي فإن وجود سفارة فاعلة يعزز الثقة بإمكانية التوصل إلى ترتيبات قانونية وتمويلية وتأمينية تسمح بدخول شركات أمريكية أو غربية إلى مشاريع النفط والغاز.
وشدد مرزا على أن استئناف عمل السفارة سيكون خطوة نحو استعادة الحد الأدنى من الخدمات القنصلية للأمريكيين في سوريا، بما في ذلك الحماية والمتابعة القانونية والخدمات الوثائقية.
وعودة التمثيل الأمريكي تعني سياسيا أن الدولة الأمريكية باتت ترى في دمشق بيئة يمكن إدارة مصالح مواطنيها فيها بشكل مباشر لا عبر دول ثالثة، ما يخفض الكلفة الإدارية والسياسية على حركة الأمريكيين من أصل سوري أو مزدوجي الجنسية، كما أن وجود قناة رسمية داخل دمشق يخلق إحساسا أعلى بالأمان القانوني لهؤلاء المواطنين ويعزز ارتباطهم الاقتصادي والاجتماعي بسوريا، وهو ما يخدم بدوره مسار الانخراط الاقتصادي والاستثماري الأوسع.
وأوضح مرزا أن إعادة فتح السفارة لا تعني تلقائيا رفع القيود على التأشيرات أو خروج سوريا من قوائم الحظر، لأن هذه القرارات ترتبط بإجراءات قانونية وأمنية داخلية في الولايات المتحدة، لكنها سياسيا تمثل خطوة تمهيدية أساسية، لأن وجود سفارة يتيح التعاون التقني في مجالات التدقيق الأمني وتبادل البيانات والهجرة، وهي الشروط التي تعتمد عليها واشنطن عادة في مراجعة قرارات الحظر.
أي يمكن قراءة الخطوة كمرحلة أولى في مسار تدريجي قد يقود مستقبلا إلى تخفيف القيود أو إعادة النظر في نظام التأشيرات، خاصة إذا استمر التعاون الأمني والسياسي بين البلدين.
وعن تفسيره للتصريحات الإيجابية الأخيرة للرئيس ترامب تجاه الشرع، قال مرزا إن إعادة الحضور الدبلوماسي الأمريكي مع تصريحات ترامب، وخصوصا فيما يتعلق بإدارة الملف الكردي، يؤكد أن واشنطن تنظر تقليديا إلى وحدة الدولة السورية واستقرارها كشرط للأمن الإقليمي ومنع الفراغات التي تستغلها التنظيمات المتطرفة.
وتابع: عندما ترى الإدارة الأمريكية أن دمشق نجحت في إعادة ضبط العلاقة مع القوى الكردية ضمن إطار الدولة، فإن ذلك يعزز قناعة بجدوى الانخراط معها.
ومن هنا يمكن فهم إعادة فتح السفارة كجزء من مقاربة أوسع تقوم على معادلة: استقرار داخلي سوري مقابل انفتاح دبلوماسي واقتصادي أمريكي تدريجي.
أي إن التصريحات الإيجابية والعودة الدبلوماسية ليسا حدثين منفصلين، بل تعبيرين عن مسار سياسي واحد قوامه إعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي والدولي عبر بوابة الاستقرار ووحدة الدولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك