عمل المشرع المغربي في دستور المملكة لسنة 2011 على تخصيص الباب الثاني عشر لمبادئ الحكامة الجيدة، وعيا منه بأهميتها في تجويد وتخليق المرافق العمومية خدمة للمواطنين وتحقيقا للمصلحة العامة، ونظرا لمكانة الحكامة الجيدة داخل الإدارة العمومية باعتبارها مجموعة من المبادئ الأساسية التي تؤطر كيفية تنظيم وسير المرافق العمومية من جهة والعلاقة الوظيفية بين هذه المرافق والمواطنين من جهة أخرى، عمل المشرع على التنصيص صراحة في الفصل 157 من الدستور المغربي على أنه سيحدد ميثاق للمرافق العمومية قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدرات العمومية والجماعات الترابية والأجهزة العمومية.
إن هذا القانون رقم 54.
19 بمثابة ميثاق للمرافق العمومية الذي صدر سنة 2021، سعى من خلاله المشرع لتحديد وتوضيح الأدوار والمسؤوليات الملقاة على عاتق المرافق العمومية، ما هو إلا تأسيس جديد لميكانيزمات عمل الإدارة الحديثة وعلاقتها بالمرتفقين، بحيث تضمن في عمقه بعض المبادئ التي من خلالها يمكن تكسير أو بالأحرى القضاء على عدة ممارسات كانت تقطع الطريق أمام تجويد الإدارة العمومية المغربية ومن بينها: (البيروقراطية الإدارية- اللامساواة بين المرتفقين- الجمود الإداري- غياب العدالة المرفقية- الزبونية….
).
إن القول بقدرة هذا الميثاق على تجويد المرافق العمومية يستند على المكانة التي خصصها المشرع المغربي له، حيث اعتبره بمثابة إطار مرجعي وطني لمبادئ وقواعد الحكامة الجيدة، مما يؤكد على مسألتين جوهريتين:
المسألة الأولى: أن مختلف المبادئ والقواعد التي جاء بها هذا الميثاق تشكل إلتزامات قانونية يجب على كل المرافق العمومية احترامها والتقيد بها.
المسألة الثانية: هذا الميثاق يشكل القاسم المشترك بين المرافق العمومية في ممارسة مهامها وأدوارها.
في نفس السياق، يلعب هذا الميثاق مجموعة من الأدوار والوظائف داخل مختلف الإدارات العمومية والتي لا تنحصر فقط في تحقيق الحكامة الجيدة في التدبير والتسيير الإداريين، بل حتى في إعادة تأسيس العلاقة بين الإدارة والمرتفق.
من هذا المنطلق شكلت المبادئ والقواعد التي حملها هذا الميثاق منعطفا قانونيا في تجديد الأسس والمرتكزات التي تنبني عليها الإدارة العمومية في علاقتها بالمواطن.
إن مقتضيات ميثاق المرافق العمومية تلعب دورين أساسيين هما:
تحقيق النجاعة والفعالية في طريقة اشتغال المرافق العمومية.
مما لا شك فيه أن ميثاق المرافق العمومية جاء بمجموعة من القواعد التي تهدف لتحقيق النجاعة والفعالية في عمل مختلف المرافق العمومية، وذلك من خلال التركيز على ثلاثة جوانب ترتكز على تطوير الإدارات العمومية:
تنظيم وتدبير المرافق العمومية: من خلال وضع برامج متعددة السنوات في إطار السياسة العامة للدولة، مع الأخد بعين الإعتبار السياسات العمومية والخصوصيات الترابية، إضافة إلى تعزيز إلتقائية البرامج العمومية وتعاضد في وسائل تنفيذها، وتفعيل آلية الشراكة والتعاون مع القطاع الخاص، والإنفتاح على المواطنين وتمكينهم من إبداء مقترحاتهم.
إن مختلف هذه القواعد في مضمونها تهدف إلى تجويد طريقة اتخاذ وتنفيذ القرارات العمومية، عبر وضع قواعد خاصة بتنظيم وتدبير المرافق العمومية ذلك بغية تحديث طرق اشتغال مختلف الإدارات العمومية وتحقيق الإلتقائية في تدخلاتها تحقيقا للغاية من وراء تبني مفهوم الإدارة الحديثة.
تدبير الموارد البشرية: عبر تحديث وسائل تدبيرها من خلال اعتماد أنماط فعالة وناجعة ترتكز على على مجموعة من الدلائل والمخططات والآليات التي تسعى لتحقيق هدف واحد وهو تطوير آداء الموارد البشرية داخل الإدارات العمومية، كما أن هذه المنهجية الحديثة تهدف لتجاوز المقاربة التقلدية في تدبير الموارد البشرية نحو تبني مقاربة حديثة تعتمد على الكفاءة والفعالية والتقييم في عمل الموارد البشرية.
تدبير الوسائل العامة: نقصد بالوسائل العامة تلك الممتلكات والموارد المادية التي تعتمد عليها المرافق العمومية لتحقيق أهدافها( كالموارد المالية، والعقارات….
)والتدبير الجيد لهذه الوسائل التي تتوفر عليها المرافق العمومية يقتضي الإلتزام بمقتضيات هذا الميثاق الذي أكد على ترشيد عملية استعمال هذه الموارد والممتلكات، من خلال التقيد بمبادئ الحكامة الجيدة، ولتفادي الوقوع في غياب استدامة هذه الموارد نص هذا الميثاق على ضرورة وضع مخططات التدبير الإستيباقي للوقاية من مختلف الأزمات على اختلاف انواعها، إضافة إلى تفعيل مبدأ التضامن والتعاضد في الموارد والوسائل على المستويين المحلي والوطني.
تنظيم العلاقة بين الإدارة والمرتفق:
مما لا جدال فيه أن العلاقة التي تربط الإدارة بالمرتفق هي بالأساس علاقة تقديم الخدمات العمومية، هذه الأخيرة تقوم على مجموعة من القواعد تم تحديدها في ميثاق المرافق العمومية ضمانا لصون كرامة المواطن وحقه في الإستفادة مما تقدمه هذه المرافق العمومية، بناء على مجموعة من المعايير التي تستهدف إعادة ترسيخ الثقة بين طرفي هذه المعادلة.
وتقوم العلاقة بين المرافق العمومية والمرتفقين على مجموعة من القواعد وهي:
استقبال المرتفقين وتقديم الخدمات العمومية: من خلال ضمان جودة وحسن استقبال المرتفقين وتوجيههم وضمان الإستمرارية في تقديم الخدمات، ولكي تتم الإستفادة من هاته الخدمات تعمل المرافق العمومية على تبسيط ورقمنة مختلف الإجراءات والمساطر الإدارية، وتنويع أساليب تقديمها وقياس رضا المرتفقين حول هذه الخدمات.
تخليق المرافق العمومية: إن التخليق في فلسفة التدبير الإداري تقتضي احترام مجموعة من المبادئ الرئيسية من بينها التحلي بروح المسؤولية والمبادرة، والإنضباط في العمل واحترام القانون وضمان استمراريته، مع التقيد بالنزاهة والتجرد في تأدية المهام الإدرية.
معالجة التظلمات وتنفيذ الأحكام القضائية: عمل المشرع على إيلاء أهمية خاصة بمسألة معالجة التظلمات لتفادي المنازعات القضائية التي تستنزف الموارد المالية للإدارة، وتخلق علاقة نزاع دائم بين المرتفق والإدارة في حالة عدم القيام بمهامها، ومن أجل الوقاية من هذه المنازعات فقد نص ميثاق المرافق العمومية على ضرورة تلقي تظلمات المرتفقين ومعالجتها واللجوء إلى الحلول التوافقية لتجاوز الخلافات التي تنشأ بينهما.
لكن في بعض الأحايين لا يصل المرتفق والإدارة لحل توافقي في نزاع نشأ بينهما، مما يجعل المتضرر يلجأ للقضاء كوسيلة لحماية حقوقه، مما يؤدي إلى نشوء نزاع قضائي يقطع مجموعة من المراحل ليصل لمرحلة إصدار الحكم واكتسابه لقوة الشيء المقضي به، مما قد يجعل الإدارة تتماطل أو تمتنع عن تنفيذه، الأمر الذي يزعزع الثقة بين الإدارة والمرتفق ويفقد المؤسسة القضائية هيبتها.
لذلك جاء ميثاق المرافق العمومية ليضع حدا لهذه الممارسات المنافية لمبدأ القانون فوق الجميع، ونص على ضرورة التزام مختلف المرافق العمومية بتنفيذ الأحكام والأوامر والقرارات القضائية النهائية تعزيزا لمبدأ الثقة في مؤسسات الدولة.
يمكن القول إن ميثاق المرافق العمومية، كما نظمه القانون رقم 54.
19 تنفيذًا لمقتضيات دستور المملكة المغربية، يشكل تحولًا نوعيًا في مسار تحديث الإدارة العمومية المغربية، من خلال إرسائه لمبادئ الحكامة الجيدة وربطه بين النجاعة في التدبير وجودة العلاقة مع المرتفق.
فالميثاق لا يقتصر على تقنين طرق التسيير الإداري، بل يؤسس لمفهوم جديد للإدارة يقوم على:
وترسيخ الثقة بين الإدارة والمواطن.
غير أن نجاح هذا التحول يظل رهينًا بمدى الالتزام الفعلي بتطبيق مقتضياته، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة، وتغيير الثقافة الإدارية التقليدية نحو إدارة مواطِنة قائمة على خدمة المرتفق لا الهيمنة عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك