السياسة الخارجية لأي دولة تعكس نضج مؤسساتها واستقرارها، وتوضح قدرة القيادة على الموازنة بين المصالح الوطنية والتزاماتها الدولية.
ويظهر هذا جليًا في تجربة الدبلوماسية المغربية، التي تجمع بين الحنكة والرصانة، مؤكدة أن المجال الخارجي محكوم بضوابط دقيقة وتقاليد تاريخية تحميه من المغامرات الفردية والمناورات الانتخابية.
وبناءً على ذلك، يدرك المواطن الذي يراقب المشهد السياسي أن أي محاولة لاستغلال الملفات الدولية لأغراض انتخابية تهدد الرصانة الوطنية بشكل مباشر.
السياسة الخارجية تختلف عن الحملات الداخلية في طبيعتها، فهي تتطلب قرارات سريعة وحاسمة، لكنها في الوقت ذاته خاضعة للمسؤولية والالتزام بأطر قانونية واتفاقيات دولية تحمي مصالح الدولة العليا.
وتجارب المغرب عبر عقود طويلة أثبتت أن المغامرات الكلامية التي تتجاوز هذه الضوابط تقوض ثقة الشركاء الدوليين وتربك الجهود الاستراتيجية للدولة.
ومن هنا يظهر أن الحكمة الدبلوماسية تكمن في التمييز بين الرصيد الشعبي والسيادة الوطنية، فالمسؤول الذي يتعامل مع الملفات الخارجية يجب أن يتحرك بعيدًا عن أي محاولة لاستثمار القضايا الحساسة لتحقيق مكاسب قصيرة المدى.
القضية الفلسطينية، التي تحتل مكانة خاصة في وجدان المغاربة، مثال على ضرورة التعامل بحساسية عالية، دون الانجرار إلى خطاب يهدف لاستثمارها سياسياً.
فقد أثبتت التجربة الوطنية أن المصداقية والرصانة السياسية تحقق نتائج ملموسة أكثر من الشعارات الانتخابية التي تفتقد لآليات تنفيذية حقيقية.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الواضح أن بعض الممارسات التي تحاكي الشعبوية التاريخية، لكنها تخلو من العمق الاستراتيجي والفهم السياسي، تولد خطابًا مشوشًا يفتقر إلى ثقل المسؤولية، ويزيد من حالة الانقسام وفقدان الثقة بالفاعلين السياسيين.
تتطلب القضايا الدولية احترام بروتوكولات وسياسات محددة، بما في ذلك القوانين والاتفاقيات التي تحمي الضيوف الرسميين، حتى لو كانوا من خصوم الدولة.
أي تصريح خارج هذا السياق يعكس جهلًا بالقواعد الأساسية للعلاقات الدولية، ويؤدي إلى حالة من الالتباس حول حدود السلطة الوطنية وسلطة المسؤولين.
وتظهر القوة السياسية الحقيقية في القدرة على إدارة الملفات الصعبة وفق القواعد المعتمدة، بعيدًا عن الشعارات المثيرة للجدل التي تشوه صورة الدولة دوليًا.
الدبلوماسية المغربية تقوم على مبادئ ثابتة، أبرزها اتخاذ القرار الاستراتيجي ضمن رؤية بعيدة المدى تستوعب مختلف الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتمنح هذه الرؤية الدولة القدرة على تعزيز حضورها الدولي، والحفاظ على وحدة التراب الوطني، وتحقيق مكاسب ملموسة عبر اتفاقيات متوازنة وشاملة.
وعليه، أي ربط بين السياسة الخارجية والمناورات الانتخابية يضعف هذا البناء، ويحول الملفات الحيوية إلى أدوات ضغط سياسي داخلي، مما يقلل أثر الإنجازات ويضعف الرصيد الدبلوماسي للدولة.
تؤكد التجارب السابقة أن المسؤول الذي يتجاوز حدود السلطة في الدبلوماسية أو يسعى لاستغلال القضايا الحساسة لكسب شعبية آنية، يمارس سلوكًا يعرض الدولة لمخاطر متراكمة.
فالسياسة الخارجية لا تتعامل مع شعارات مؤقتة، بل مع ملفات حقيقية تتطلب دقة في التخطيط والتنفيذ، ووعيًا بمكانة الدولة أمام شركائها الإقليميين والدوليين.
وتنبع الثقة الوطنية في المسؤولين السياسيين من اتساق المواقف بين فترة تولي السلطة وفترة المعارضة، فالشخص الذي يشارك في اتخاذ قرار استراتيجي أثناء الحكم ثم يعارضه لاحقًا يخلق حالة من الانفصام السياسي وتشوه الصورة العامة للممارسة السياسية.
السياسة الداخلية والخارجية ترتبطان بحساسية عالية، لكن السياسة الخارجية تحكمها قواعد صارمة لا تحتمل التجاوزات.
والمسؤول الذي يدرك هذا الفارق يمتلك القدرة على توجيه المواقف وتأمين مصالح الدولة، والحفاظ على علاقاتها الدولية دون الانخراط في خطاب شعبي فارغ.
وقد أثبتت السياسة الخارجية المغربية، بنهجها الراسخ، قدرتها على إدارة الملفات المعقدة وتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، في حين أن الخطابات التي تعتمد على استفزاز الرأي العام أو خلق التوترات غير المبررة تفشل في تحقيق أي نتيجة استراتيجية.
التاريخ السياسي الحديث يظهر أن الدبلوماسية الوطنية حققت نجاحات ملموسة عندما ارتكزت على التفكير الاستراتيجي البعيد، وعلى الاحترام الصارم للحدود القانونية والدولية.
أي محاولة لتغيير هذا النهج أو تحويله إلى أداة انتخابية تهدد استقرار الدولة ومصداقيتها، وتفتح الباب أمام انتقادات داخلية وخارجية.
ويبرز الوعي الشعبي اليوم كأداة رقابية قوية، تميز بين الجدية والمسؤولية والانتهازية السياسية.
الدرس الأهم هو أن المغرب نجح في الجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية والحفاظ على مكانته الدبلوماسية، مع مراعاة القضايا ذات الأبعاد العاطفية والجيوسياسية.
وأي محاولة لاستغلال هذه الملفات لأهداف انتخابية قصيرة المدى تهدد المكتسبات الوطنية وتعرض مصالح الوطن للخطر.
التجربة أثبتت أن الحكمة والرصانة في التعامل مع الملفات الدولية تحقق نتائج أفضل من المغامرات الكلامية والشعبوية الزائفة.
الخلاصة واضحة: السياسة الوطنية، وخاصة السياسة الخارجية، تتطلب المسؤولية والوعي والاستراتيجية البعيدة، وليس التنافس على شعبية مؤقتة.
المواطن اليوم قادر على التمييز بين الخطاب الجاد والمسؤول، وبين خطاب الانتهازية الذي يعكس الفراغ السياسي والخطاب العاطفي الزائف.
وتظل الدبلوماسية المغربية، بعقلانيتها وحكمتها، نموذجًا يحتذى به، وتحافظ على مصالح الوطن العليا بعيدًا عن أي استغلال سياسي عابر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك