يبدأ الشهر قبل أن يبدأ.
هكذا يشعر كثيرون حين تتغير نبرة المساء، وحين يصير للوقت طعم مختلف.
لا يتعلق الأمر بموعد على ورقة، بل بحالة عامة تتسلل إلى البيوت: ترتيب مبكر، وهدوء في الكلام، وانتباه أدق للتفاصيل.
ومن أجمل ما صنعته الذاكرة الجماعية أنها جعلت لهذا التحول أصواتا تعرفها الآذان قبل العيون، أصواتا لا تنقل الخبر فقط، بل تعلن أن الناس سيعيشون الأيام المقبلة بروح واحدة.
في تقاليد الشمال خصوصا، كان إعلان قدوم الشهر يرتبط بثلاثي معروف في الذاكرة: نفار ببوق طويل، وغياط بآلة أصغر، وترافق ذلك أحيانا طلقات مدفعية تمنح اللحظة رهبة ووضوحا.
هذا التعدد لم يكن ترفا، بل كان طريقة لتثبيت المعنى: أن البداية ليست قرارا فرديا، وأن الخبر لا يخص بيتا دون بيت.
تلتقط الأزقة النداء، ويصير الكلام في الدكاكين والبيوت أكثر ليونة، كأن الجميع تلقى الإشارة نفسها في اللحظة نفسها.
ثم يأتي الطبال، وهو ليس إعلان بداية فقط، بل رفيق يومي للشهر.
يجوب الأزقة قبل الفجر ليوقظ الناس للسحور، ويؤدي مهمته بقدر من الحذر والمعرفة بالمكان.
وقد يمر أكثر من مرة في الليلة الواحدة: مرور أول يفتح باب الاستعداد، ثم تنبيه أقرب للفجر، ثم إشارة أخيرة للإمساك.
هذا التدرج يكشف فهما عميقا لحياة البيوت، وأن الاستيقاظ ليس لحظة واحدة عند الجميع.
ليست كل الأحياء على نسق واحد.
هناك أماكن يتقاسم فيها النفار والغياط والطبال المهمة بالتناوب أو بالتكامل، فيؤدي كل واحد دوره بطريقته: نفخ بلا طبل، ونغمة غيطة، وقرع منتظم يقطع سكون الليل.
الفكرة هنا ليست موسيقى للفرجة، بل تنظيم شعبي للوقت.
كل أداة تصبح لغة، وكل لغة تؤدي وظيفة: تنبيه، وتأكيد، وجمع الناس على إيقاع واحد.
ما يمنح هذه المهنة قيمتها أنها كانت تقوم على الاحترام قبل المقابل.
كان الناس ينظرون إلى الطبال بوصفه صاحب خدمة، لا مجرد عابر.
وما يقدم له غالبا يكون بسيطا: دراهم قليلة، أو شيء من طعام السحور، وأحيانا دعم إضافي في أيام محددة داخل الشهر بحسب العرف.
هذا العطاء، مهما كان متواضعا، يحمل معنى واضحا: أن المجتمع يعرف كيف يشكر من يسهر ليوقظ غيره.
لكن هذه العادة لم تسلم من التراجع.
تغي ر نمط السكن، واتسعت المدن، وصار لكل فرد منبهه الخاص في هاتفه.
لذلك بقي الطبال أوضح حضورا في الأحياء الشعبية والقرى، بينما غاب عن مناطق كثيرة في المدن الكبرى أو صار مروره نادرا.
هذا التحول لا يحتاج إلى لوم، لأنه جزء من تبدل الحياة اليومية، لكنه يترك فراغا لا يسده الجهاز وحده.
الوسائل الحديثة تمنح دقة لا جدال فيها، لكنها لا تمنح دائما المعنى نفسه.
المنبه يوقظ الشخص، أما الطبال فكان يوقظ الحي.
الإشعار يخبرك بالوقت، أما النداء فكان يترك أثرا إنسانيا: نافذة تفتح لثوان، وكلمة سلام، واطمئنان على جار، وشعور بأن الليل ليس عزلة كاملة.
حين تختفي هذه التفاصيل، لا نفقد عادة فقط، بل نفقد شكلا من أشكال القرب الذي كان يصنعه الزمن المشترك.
لا حاجة إلى صدام بين القديم والجديد.
يمكن للدقة أن تعيش مع الدفء إذا تذكرنا أن العادة ليست أداة فقط، بل علاقة.
هل نكتفي بأن نعرف المواقيت، أم نريد أن نشعر أننا نعيشها معا؟ وهل يستطيع الحي أن يصنع لحظة تواصل صغيرة كل ليلة، ولو بكلمة طيبة أو اهتمام بجار كبير؟ ثم ماذا يبقى من الشهر إذا صار كله تنبيهات فردية، بلا صوت إنساني يمر ليذكرنا بأن الوقت ليس رقما، بل عهد يومي يتجدد؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك