يعد مشروع الحكم الذاتي الذي اقترحته المملكة المغربية إطارا سياسيا واقعيا لتسوية نزاع الصحراء، وقد تعزز هذا التوجه مع اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 الذي جدد الدعوة إلى حل سياسي عملي قائم على التوافق.
غير أن الانتقال من القرارات الدولية إلى الواقع الميداني يظل رهينا بمدى استعداد الأطراف المعنية للتخلي عن منطق إدارة النزاع والانتقال إلى منطق بناء الاستقرار.
وهنا تبرز إشكالية جوهرية لا تتعلق بالنصوص أو بالشرعية والمشروعية الدولية، بل بالبنية القيادية والسياسية المعقدة والشبكات المالية التي تشكلت عبر عقود داخل جبهة البوليساريو وحولها بالمخيمات وبأوروبا.
فداخل منظومة القيادة في الرابوني، يبرز دور فئات محددة – من وزراء ومسؤولين نافذين، وسفراء وممثلين خارجيين، وصولا إلى رأس الهرم القيادي وإنتهاءا بجميع من يتحمل مسؤولية داخل البوليساريو – ممن ارتبطت مواقعهم السياسية والاعتبارية وامتيازاتهم الاقتصادية والمالية باستمرار النزاع أكثر من ارتباطها بإيجاد حل نهائي له.
هذه المناصب لم تعد مجرد وظائف سياسية وعسكرية وديبلوماسية، بل تحولت إلى مصدر نفوذ وامتيازات مادية ورمزية، ما يجعل أي تسوية نهائية، بما فيها الحكم الذاتي، تعني عمليا إعادة ترتيب شاملة لهذه المواقع وربما فقدان بعضها.
كما أن الشبكة الدبلوماسية للبوليساريو في الخارج، المكونة من “سفراء “و ممثلين ومكاتب منتشرة ومتعاونين صحراويين وجمعيات موالية للبوليساريو في عدة دول، تعد بدورها جزءا من هذا الواقع.
فاستمرار النزاع يبرر استمرار هذه التمثيليات وما يرتبط بها من مكانة سياسية وتحركات دولية وامتيازات مالية خيالية متعددة.
أما في حال تسوية النزاع، فقد يتقلص هذا الدور بشكل كبير، وهو ما قد يفسر غياب الحماس الحقيقي لدى بعض هذه الدوائر تجاه أي مشروع حل نهائي.
ولا يقل تأثيرا عن ذلك، البعد العسكري، حيث يشكل قادة النواحي العسكرية والضباط والكوادر العسكرية و الأمنية جزءا أساسيا من بنية السلطة داخل المخيمات.
فالوضع القائم يمنح هذه القيادات دورا مركزيا ونفوذا واسعا، في حين أن الانتقال إلى وضع سلمي مستقر سيؤدي حتما إلى تقليص الطابع العسكري لصالح مؤسسات مدنية.
ومن الطبيعي أن يثير ذلك مخاوف مرتبطة بالمكانة والنفوذ والامتيازات المالية وحتى بالمصالح المرتبطة بالاقتصاد غير الرسمي الذي ينشأ عادة في بيئات النزاع.
هذه الفئات مجتمعة -القيادات السياسية في الرابوني، الممثلون في الخارج، والقيادات العسكرية – تشكل ما يمكن تسميته بـ”العصابة المرتبطة بالنزاع”، حيث تصبح استمرارية الصراع شرطا ضمنيا لاستمرار الامتيازات المالية والتجارية والرمزية والنفسية.
لذلك فإن أي مشروع سلام، مهما كان مقبولا دوليا، قد ينظر إليه داخليا من طرف هؤلاء كتهديد مباشر لمصالحهم الاقتصادية المالية المكتسبة، لا كفرصة سياسية لصالح اللاجئات من النساء والأطفال والشيوخ.
في المقابل، يظل “اولاد الصحراويات” و اللاجئين واللاجئات الحقيقيين المنحدرين فعليا من منطقة النزاع هم الطرف الأكثر تضررا من استمرار الوضع القائم، والأكثر حاجة إلى حل يضمن العودة والاستقرار والعيش الكريم.
فهؤلاء لا يملكون شبكات نفوذ أو امتيازات، بل يعيشون تبعات النزاع يوميا، ما يجعلهم أكثر استعدادا للانخراط في مشروع الحكم الذاتي الضامن للأمن والتنمية والكرامة.
ومن هنا يظهر التباين بين مصلحة القاعدة السكانية من الصحراويين الحقيقيين” أهل الساحل ” ومصلحة العصابة المشكّلة من القيادية السياسية والعسكرية والدبلوماسية الانتهازية.
إن نجاح القرار 2797 وأي مسار سياسي منبثق عنه يتوقف في النهاية على القدرة على تجاوز هذه المفارقة: فبينما يدفع الواقع الإنساني المزري نحو الحل والتوافق والعودة إلى أرض الوطن للمغلوبين عن أمرهم، قد تدفع حسابات النفوذ ومصالح المال والاعمال نحو الإبقاء على الجمود ورفض التسوية من خلال خلق الأعذار الواهية والمبررات غير المنطقية.
لذلك فإن إدراك هذا البعد غير المعلن يعد ضروريا لفهم أسباب تعثر التسويات السابقة، ولتصميم مقاربة تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط المواقف المعلنة، بل أيضا الدوافع الكامنة وراءها.
وفي المحصلة، فإن العقبة الحقيقية أمام تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية لا تكمن فقط في الخلافات السياسية المعلنة، بل في خوف بعض مراكز القرار والنفوذ داخل البوليساريو – سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا – من فقدان الامتيازات التي أتاحها استمرار النزاع.
ما لم تعالج هذه المعضلة عبر مقاربة واقعية توازن بين متطلبات السلام ومخاوف الفاعلين، سيظل أي مشروع تسوية معرضا للتعطيل الصامت مهما حظي من دعم دولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك