لم يكن بقاء الدولة السعودية ثلاثة قرون متتالية مجرد مصادفة تاريخية، ولا نتيجة ظرف سياسي عابر، بل كان تعبيرًا عن مشروع دولةٍ عرف كيف يتجدد دون أن يتخلى عن جذوره، وكيف يتكيّف دون أن يفقد هويته.
منذ انبثاقها تصدرت السعودية مشهدًا متميزًا في تاريخ المنطقة العربية، ليس فقط لبقائها، بل لقدرتها على إعادة التأسيس بعد كل منعطف، وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي عبر أجيال مختلفة.
ومع ذكرى التأسيس اليوم يطرح السؤال؛ ليس كيف بدأت الدولة؟ بل كيف استمرّت؟ وظلت قوة محورية متسقة رغم التحديات التاريخية والسياسية والإقليمية؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من استعراض تجربة الدولة السعودية عبر مراحلها الثلاث؛ ثم تحليل عوامل الاستمرارية التي ميزت النموذج السعودي مقارنة بكيانات تاريخية أخرى.
الدولة السعودية الأولى (1727–1818م).
تأسست على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام 1727م، وجمعت بين الشرعية الدينية والسيادة السياسية، فمنحت مشروعها الشرعي إطارًا اجتماعيًا موحدًا يعتمد على الشريعة الإسلامية كأساس للحكم والنظام.
في هذا السياق يقول فهيم الحامد، الباحث السياسي، إن هذا التأسيس المبكر لم يكتفِ بتوحيد القبائل والمناطق، بل أرسى أسسًا ثقافية وسياسية متماسكة، أدّت إلى توسع نفوذها عبر مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية.
الدولة السعودية الثانية (1824–1891م).
تميزت المرحلة الثانية بالحفاظ على كثير من أسس الوحدة الداخلية، لكن النزاعات واختلال التوازنات الإقليمية أعاقت استمرارها، مما أدّى إلى تراجع نفوذها لاحقًا؛ ومع ذلك، بقي “الاسم السعودي” حاضرًا في الذاكرة الجماعية لشبه الجزيرة.
الدولة السعودية الثالثة (من 1902م إلى اليوم).
بدأت هذه المرحلة مع استعادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود للرياض عام 1902م، ثم توّج ذلك بتوحيد أجزاء شبه الجزيرة وتأسيس المملكة العربية السعودية عام 1932م.
وهنا يرى فهيم الحامد، خلال تصريحاته لـ”الوئام”، أن هذه الدولة لم تكن “عودة” فحسب، بل نقلة نوعية في البنية السياسية والإدارية؛ فالدولة السعودية الثالثة كيان مؤسّس عصريًا بمؤسسات حكومية واضحة، وهيكل سياسي متماسك، وأطر قانونية وإدارية حداثية، منحها قدرة استثنائية على التوسع، والاستجابة للمتغيرات الإقليمية والدولية.
تتجسد قوة النموذج السعودي في عوامل متكاملة تجمع بين الشرعية الثقافية، الاستراتيجية السياسية، والمرونة المؤسسية، ويمكن إجمالها في العناصر التالية؛ بحسب فهيم الحامد.
منذ تأسيسها، بنى السعوديون مشروعهم على الشرعية الدينية والثقافية، مما خلق قاعدة اجتماعية واسعة من الولاء والاندماج.
هذه الشرعية لم تكن جامدة، بل قابلة للتعبير عبر تحولات المؤسسات والحياة السياسية، فكانت “الدولة” ليست مجرد سلطة، بل هوية مركزية مرتبطة بالجماعة والمجتمع.
التحديث المؤسسي والاستجابة للتحديات العالمية.
في العصر الحديث، لم تقف السعودية عند حدود المحافظة على الاستقرار؛ بل سعت إلى تحديث مؤسساتها، وبناء ديناميكية تنظيمية تؤهلها لمواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية، خاصة في مجالات التعليم، الاقتصاد، الأمن، والتنمية.
هذا النهج هو ما جعلها كيانًا فاعلًا في المسرح الدولي ويُصنف كدولة مركزية في الشرق الأوسط.
عندما نجري مقارنة بين النموذج السعودي ونماذج تاريخية أو حتى دول عاشت أزمنة طويلة ثم تفتت، يتبين أن العوامل التالية تميز الاستمرارية السعودية: مثل الشرعية الجامعة بدل الشرعية الضيقة، مما يمنح الدولة قبولًا داخليًا قويًا.
كذلك تحديث مؤسسي مستمر يتوافق مع الاحتياجات الوطنية ومتطلبات النظام الدولي؛ هذه العناصر تمنح السعودية قوة ثابتة في وجه التحولات والتحديات، على عكس كيانات تاريخية لم تستطع تجاوز مرحلة واحدة من الاضطراب دون أن تفقد تماسكها.
ويؤكد فهيم الحامد، أن استمرار الدولة السعودية ثلاثة قرون ليس حدثًا عابرًا، بل نتاج شبكة من العوامل المتكاملة: شرعية التاريخ، قيادة موحدة، قدرة على إعادة التأسيس، وتحديث مؤسسي مستمر.
هذه الخصائص جعلت من النموذج السعودي حالة فريدة في التاريخ العربي الحديث مقارنة بكيانات أخرى عرفت القوة ثم الضعف والانهيار.
وهكذا، فإن ثلاثة قرون من الاستمرارية ليست مجرد رقم في سجل التاريخ، بل شهادة على نموذج دولة عرف كيف يحافظ على جذوره وهو يتقدم إلى المستقبل؛ نموذجٌ لم يكتفِ بالبقاء، بل جعل من البقاء منصةً للرسوخ، ومن الرسوخ قاعدةً للنهضة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك