في الذكرى الثلاثين لكوكب الشرق سيدة الغناء العربي أم كلثوم، أذاع التليفزيون المصري فيلماً تسجيلياً من إنتاج الأستاذ جمال الليثي، وكان الفيلم يحكي وداع شعب مصر والشعب العربي لأم كلثوم وهي تُحمل إلى مثواها الأخير.
وكان لهذا الفيلم قصة رواها لي جمال الليثي، وكما روى لي، فإنه صوّره على الطبيعة يوم جنازة كوكب الشرق، فقد أُصيبت سيدة الغناء العربى عام 1975 بانفجار في المخ، وروّعت الأمة العربية، ونزلت بالشعب المصري كارثة، فما كان أحد يتصور أن الحياة يمكن أن تستقيم في غياب الهرم الرابع كوكب الشرق أم كلثوم، وحُملت الراحلة العظيمة إلى مستشفي القوات المسلحة في المعادي، وأحاطت بها كوكبة من أبرع أطباء مصر وجراحيها وأخصائييها وحاولوا إنقاذها بكل السبل وكل الوسائل العلاجية الحديثة، ولكنها كانت في غيبوبة كاملة لم تفق منها، إلى حد أن هناك بعض الصحف تسرعت وأعلنت نبأ وفاتها، لكن أطباءها كانوا لا يزالون في محاولات يائسة مستميتة لكي يردوا إليها الحياة، ولكن الغيبوبة دامت، وبدا معروفاً أن السيدة العظيمة قد أصابها ما يطلقون عليه «الموت الإكلينيكي»، وبدأ شعب مصر والشعب العربي في كل أقطار الدنيا يصلّون من أجل أم كلثوم ويتضرعون إلى الله أن ينقذها وتفيق من غيبوبتها.
كانت في قلبها نبضات من حياة لم تزل تخفق، وكانت أنفاسها الخافتة الواهنة ما زالت، بمساعدة الأجهزة الطبية الحديثة، تتردد.
واستمر هذا يومين كاملين، قبل أن يفقد الأطباء الأمل نهائياً، ويعلنوا للأمة العربية رحيل كوكب الشرق أم كلثوم عن عالمنا.
وأصدروا بياناً ينعون الراحلة الخالدة إلى جنات الخلد من رئاسة مستشفي القوات المسلحة بالمعادى، وفي ذلك المساء الحزين من الأسبوع الأول من فبراير 1975 نعت رئاسة جمهورية مصر العربية، ببيان من رئيس الجمهورية أنور السادات، أم كلثوم إلى الشعب المصرى، وأعلنت مصر وكثير من شقيقاتها الدول العربية الحداد ونكست الأعلام وبدأت كل أجهزة الدولة تعمل في تنظيم وترتيب حملها إلى مثواها الأخير.
ووضع للجنازة خط سير محدد، يبدأ بحمل الجثمان رسمياً من مستشفي القوات المسلحة بالمعادى وصولاً إلى ميدان التحرير واختراق شارع طلعت حرب وصولاً إلى جامع جركس للصلاة على الجثمان.
وكما روى لي جمال الليثي، فإنه في تلك الليلة عقد اجتماعاً في مقر شركته، واستنفر كل العاملين معه في الإنتاج، فما كان ليترك مناسبة جليلة كهذه تمر دون تسجيل وداع الشعب المصرى المفجوع في رحيل أبرز وأنبل رموزه على المستوى السياسى والفنى، كوكب الشرق أم كلثوم.
واتفقوا على أن تصاحب الكاميرات الجثمان لحظة بلحظة، وتسجل انفعالات شعبنا المكلوم ثانية بثانية، وحتى يتيسر لهم هذا جهز ١٦ كاميرا سينمائية بأطقمها من الفنيين ومجموعة من مساعدى الإخراج الذين يعملون معه، بعض هذه الكاميرات كان يتخذ مقراً محدداً في مسار الموكب الجنائزى الحزين وبعضها كان محمولاً بحيث يتابع أية تطورات تحدث أثناء المسار المحدد للجنازة.
وكما روى لى جمال الليثي، فإن التليفزيون المصرى ركز كل كاميراته وفنييه حول جامع جركس، في شارع صبرى أبوعلم، لكى يصوروا وصول الجثمان ويسجلوا الصلاة على الراحلة العظيمة، وسارت الأمور على النحو المقرر لها، لكن عندما وصل ركب الجثمان إلى ميدان التحرير كان في الميدان الكبير ملايين من شعب مصر، الذين تربى وجدانهم على عبقرية الراحلة الخالدة ويحمل كل منهم ذكرى عاطفية خاصة، وإحساساً بأنها كانت تغنى له وحده، واهتزت الملايين الصاخبة بالبكاء والوداع، وهذا شىء لم تشهده مصر إلا عندما ودّع شعبها الرئيس جمال عبدالناصر، والزعيم السياسي مصطفى النحاس، وفجأة فقدت الأجهزة المنظمة للركب السيطرة على الجماهير الحاشدة الهادرة بالبكاء، التي أحاطت بالجثمان وحملته على الأعناق، مغيرة المسار الرسمي للجثمان واخترقت به شوارع القاهرة إلى حى الحسين، لكي تقام الصلاة على جثمان كوكب الشرق في جامع الأزهر الشريف، وتابعت كاميرات ومجموعة الإنتاج الملاحقة على طول طريق سير الجنازة المتغير، بل إن واحداً من المصورين سجل لقطات للدكتور حسن الحفناوي زوج الراحلة الخالدة وهو داخل سيارة تاكسي تائه يبحث عن مسار الجثمان.
وكانت كاميرات جمال الليثي، كما روى لى، هي وحدها التي سجلت موكب الجنازة الحزين، وانفعالات الوداع المفجوع والآهات والصرخات والتشنجات الباكية التي ودع بها الشعب المصرى بعد أن فشل التليفزيون في رصد الجنازة، وكان كل ما أذاعوه في لقطات هو هدية منه مما سجله فريق المصورين التابعين لقطاع الإنتاج بشركته.
وفيما توالى من أسابيع تلك الفترة، أعدوا الفيلم التسجيلى عن وداع شعب مصر العاشق المحب، والمفجوع في رحيل كوكب الشرق أم كلثوم.
وكما ذكر لى جمال الليثي، فإنه استأذن الموسيقار الكبير عبدالوهاب في استخدام موسيقى أغنية أنا الشعب.
أنا الشعب والأغنية بصوت أم كلثوم، واستخدم أيضاً أغنيتها يا عالم الأسرار.
علم اليقين، وكان التعليق على لقطات الفيلم بصوت الإعلامى القدير جلال معوض.
ومما هو جدير بالذكر أن الفيلم عندما جهزه جمال الليثي للعرض وأعد منه نسخاً ليعرض في كل دور العرض الأولى في القاهرة والإسكندرية وعواصم الأقاليم، استمر يعرض بإقبال كبير على عروضه ثلاثة أسابيع متواصلة، وهي سابقة لم تحدث لفيلم تسجيلى مصرى في تاريخ السينما المصرية.
وكما روى لى جمال الليثي، فإنه إذا كان يأسف في حياته على شىء فهو أنه لم يقترب عملياً من سيدة الغناء العربى كوكب الشرق أم كلثوم.
فلم يجمعه بها عمل، رغم أنها بفنها الرفيع قد أحاطت به وأكسبته المال، على حد قوله، عندما اشترى حقوق طبع أفلامها مثل «سلامة» و«أنشودة الفؤاد» و«وداد» و«عايدة» و«فاطمة» من استوديو مصر لطبعها على أشرطة فيديو توزعها شركته وكانت من أنجح ما سوقه.
كان للشيخ خالد، شقيق كوكب الشرق أم كلثوم، ابن بلغ سن الشباب اسمه إبراهيم، وكان له ميول موسيقية، فأدخله أبوه معهد الموسيقى العربية.
وكان إبراهيم خالد يتصور أنه قد ورث عن أبيه الشيخ خالد وعمته أم كلثوم موهبة الغناء.
لقد كان والده هو المنشد السنيد لسيدة الغناء مع أبيه وابن عمه صالح عندما بدأت أم كلثوم الغناء، وكان إبراهيم يحلم بأن يصبح في شهرة ورواج عبدالحليم حافظ.
وكما روى لى جمال الليثي، فإن رمسيس نجيب تبنى الحلم عندما شاركه جمال الليثي في شركة الإنتاج السينمائى، وطلب إبراهيم من عمته كوكب الشرق أن تسمعه وأن تحكم على صوته.
وذهب جمال الليثي ورمسيس ومعهما إبراهيم خالد إلى استوديو مصر، وأعدوا صالة التسجيل التي كان يشرف عليها مهندس الصوت المشهور نصري عبدالنور، وجاءت سيدة الغناء العربى أم كلثوم إلى الاستوديو ووقفت في الجزء الخارجى لكي تسمع صوت ابن أخيها، وما إن بدأ يغني أغنية عبدالوهاب الشهيرة «قوللي عملك إيه قلبي» حتى أدارت وجهها وأشارت بيدها رافضة، ثم مضت لا تلوى على شيء.
وانتهي حلم ابن أخيها إبراهيم خالد أن يصبح مطرباً، لأنها لم تجد لديه أية موهبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك