العربي الجديد - إجراءات صارمة لتقليص الولادات القيصرية في تركيا القدس العربي - برشلونة يستدعي حمزة عبدالكريم من معسكر منتخب مصر للشباب بشكل عاجل العربي الجديد - جهود لاستعادة العملية التعليمية في الحسكة رغم التحديات وكالة شينخوا الصينية - الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة بكين-تيانجين-خبي بشمالي الصين يرتفع إلى قرابة 12 تريليون يوان روسيا اليوم - ترامب: الولايات المتحدة تعمل بجد لإنهاء النزاع في أوكرانيا روسيا اليوم - ترامب: أنهيت 8 حروب في 10 أشهر العربي الجديد - مرسوم التسوية... قرار يعيد الأمل إلى المهاجرين في إسبانيا العربية نت - البنك الدولي: فجوة صادمة بين قوانين المساواة بين الجنسين وتنفيذها وكالة ستيب نيوز - رسائل غامضة تغزو هواتف الإيرانيين.. اختراق تقني أم تحذير من القادم القدس العربي - طرد نائب ديموقراطي رفع لافتة “السود ليسوا قرودا” خلال خطاب ترامب في الكونغرس- (فيديو)
عامة

النسخة الليبية من نظرية الفستق

العربي الجديد
العربي الجديد منذ يومين

قرأت قبل سنوات كتاباً بعنوان" نظرية الفستق"، من كتب التنمية البشرية التي تقوم على فكرة بسيطة: لا تضخّم التفاصيل، لا تمنح التوافه أكبر من حجمها، غيّر زاوية النظر كي تهدأ. لم يعد هذا النوع من الكتب يُشغ...

ملخص مرصد
في ليبيا، تحوّلت واقعة مصادرة مكسّرات بسبب صورة امرأة على غلافها إلى معركة أخلاقية كبرى، مما يعكس عقلية وصاية تستخدم مفاهيم فضفاضة مثل "الأدب العام" لتبرير التقييد. هذه الحوادث المتكررة تكشف عن عجز السلطة عن مواجهة الملفات الثقيلة، فتلجأ إلى تضخيم التفاصيل الصغيرة لاستعراض الهيبة، بينما ينشغل الناس بمعارك أخلاقية مضمونة بدلاً من مواجهة الأزمات الحقيقية.
  • مصادرة مكسّرات في بنغازي بسبب صورة امرأة على غلافها أثارت جدلاً واسعاً
  • تكررت حوادث مماثلة مثل منع شجرة كريسماس وكيكة عيد ميلاد
  • السلطة تستخدم مفاهيم فضفاضة مثل "الأدب العام" لتبرير التقييد
من: الحرس البلدي في بنغازي أين: بنغازي، ليبيا

قرأت قبل سنوات كتاباً بعنوان" نظرية الفستق"، من كتب التنمية البشرية التي تقوم على فكرة بسيطة: لا تضخّم التفاصيل، لا تمنح التوافه أكبر من حجمها، غيّر زاوية النظر كي تهدأ.

لم يعد هذا النوع من الكتب يُشغلني، لكن العنوان عاد إلى ذهني هذه الأيّام، لأنّنا في ليبيا لا نكتفي بتضخيم التوافه، بل نحوّلها إلى معارك أخلاقية كبرى.

القّصة كما انتشرت أنّ الحرس البلدي في بنغازي صادر نوعاً من المُكسّرات، يُقال إنّه فستق، لأنّ غلافه يحمل صورة امرأة وُصفت بأنها" خليعة" ومخالفة لما سُمّي" الأدب العام وقيم المجتمع".

خلال ساعات، تحوّلت الواقعة إلى ترند، وتداولتها قنوات ووسائل إعلام داخل ليبيا وخارجها، ووجدنا أنفسنا في معركة ضدّ صورة على كيس مكسّرات، وانجرّ كثيرون إليها بحماسة.

وأولهم، بطبيعة الحال، صديقي الوهمي.

ليست هذه الحادثة سابقة ولا فريدة من نوعها، فقد شهدنا مصادرة شجرة كريسماس، ومنع كيكة عيد ميلاد، والتحفّظ على كتاب لأنّ عنوانه لا يعجب ذائقة شرطي، وملاحقة مُنتجات تحمل ألوان قوس قزح.

شرقاً وغرباً، يتكرّر المشهد نفسه: سرعة في ملاحقة التفاصيل الهامشية والتفاهات، وبطء في ملاحقة الجرائم الفعلية ومُرتكبيها.

يلتقي عجز السلطة مع حاجة الناس إلى تفسير سريع، فتنتفخ التفاهة لتغطي ما هو أخطر.

المشكلة ليست في صورة على غلاف أو لون على عبوة، بل في عقلية وصاية تحتاج دائماً إلى خصم صغير لتبرّر وجودها.

" الأدب العام" و" قيم المجتمع" و" أخلاقنا" عبارات فضفاضة بلا تعريف قانوني دقيق، قابلة للتمدّد والانكماش بحسب مزاج السلطة وأحياناً الفرد.

يمكن أن تشمل كتاباً، عملاً فنياً، لباساً، أو حتى رأياً.

هكذا تتحوّل الأخلاق من قيم اجتماعية تُعاش إلى أدوات تقييد، حيث يُصادر منتج بدعوى الحياء، ويُكتم صوت بدعوى الانحراف، من دون معايير واضحة أو رقابة قضائية، لتصبح حماية" الأخلاق" بديلاً متداولاً عن حماية الحقوق.

نفسيّاً، حين تعجز السلطة عن إدارة الملفات الثقيلة، تميل إلى تضخيم ما تمكن السيطرة عليه.

التفاصيل الصغيرة تمنحها مساحة آمنة لاستعراض الهيبة من دون مخاطرة.

وبدلاً من مواجهة منظومات الفساد أو الإفلات من العقاب، تُختار صورة على غلاف لتصبح مسرحاً لاستعراض القوّة.

والناس ليسوا خارج هذه المعادلة.

في واقعهم المُثقل بالأزمات، يصبح الانخراط في معركة أخلاقية مضمونة أسهل من مواجهة أسئلة يومية مرهقة تمسّ الخبز والرواتب وغلاء المعيشة.

فهذه المشكلات الحقيقية مُعقّدة وبلا حلول قريبة، لذلك يُعاد توجيه القلق الجمعي إلى هدف بسيط، ويُستبدل الإحباط بغضب أخلاقي يمنح شعوراً مؤقّتاً بالنشوة.

هنا يلتقي عجز السلطة مع حاجة الناس إلى تفسير سريع، فتنتفخ التفاهة لتغطي ما هو أخطر.

قبل الحديث عن حماية القيم، يجب أن تكون كرامة الإنسان مصونة، وحقوقه محفوظة.

في النهاية، " نظرية الفستق" بنسختها الليبية ليست عن التنمية البشرية ولا عن تطوير الذات، بل عن إدارة الانتباه الجمعي.

السلطات قد تختلف في كلّ شيء تقريباً، لكنها تتفق على الهروب إلى المعارك الصغيرة لأنّها لا تحتمل تلك الأسئلة الكثيرة والكبيرة.

بالنسبة لي، الأخلاق ليست شيئاً يُقاس بصورة على كيس.

قبل الحديث عن حماية القيم، يجب أن تكون كرامة الإنسان مصونة، وحقوقه محفوظة، وحياته آمنة من العنف والترهيب والخوف اليومي.

حين تختزل السلطة الأخلاق في صورة، فهي تعلن عجزها عن مواجهة الواقع، وحين ننشغل نحن بهذه المعارك المجهرية، نمنحها فرصة للهروب من المسؤولية.

الأخلاق لا تُستعرض بل تُمارس، لا تظهر على غلاف، بل تكمن في الجوهر… في اللبّ، في حماية الإنسان وحريته، وما عدا ذلك مجرّد فستق.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك